انعقدت القمة الحكومية الثالثة في دولة الإمارات تحت شعار جميل متميز وهو استشراف حكومات المستقبل، وقد كانت قمة استثنائية من مختلف الجوانب، ومن أبرز ما تميزت به القمة كلمة سمو ولي عهد أبوظبي، الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، والتي أضاءت القمة بصدق لهجتها، وعمق أبعادها، وسمو معانيها، ورقي مضامينها، وعمق مشاعر قائلها، فكانت بحق كلمة أسرت القلوب، وتركت أعمق الأثر في النفوس، وتفاعل معها المجتمع الإماراتي صغاراً وكباراً ورجالاً ونساء، هذه الجلسة التي وصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، بأنها جلسة إماراتية تاريخية وطنية ملهمة، فهي صدرت من شخص نهل من حكمة مؤسس الدولة الشيخ زايد، رحمه الله، وتخرج في مدرسته الإنسانية الكبيرة، وورث عنه الحكمة والهمة والعزم والحرص على الوطن وأبنائه.

لقد تضمنت كلمة سمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، الكثير من الدروس التي نستلهمها في واقعنا وحياتنا، كان من أبرزها:

أولاً: قيمة الشكر وتقدير الجهود، وقد كان ذلك بارزاً في كلمة سموه، فقد شكر القيادة، وشكر الشعب، وشكر التجار، وشكر الذين ساهموا في المشاريع الوطنية، وشكر أبناء الوطن الذين سارعوا إلى تلبية نداء الواجب بالالتحاق بالخدمة الوطنية، وذكر أسماء أشخاص بأعيانهم قدَّموا لهذا الوطن، من وزراء ومستشارين وتجار، ونماذج من أبنائنا وبناتنا الذين أصروا على الانضمام للخدمة الوطنية رغم أنهم معفون منها، كما شكر أسرهم ووالديهم، كما هنأ سموه دبي بإنجازاتها، ومنها تفوق مطارها على مستوى العالم، وقد استهل كلمته بقوله: «محمد بن راشد أخي وصديقي ومعلمي»، كل ذلك ينبئنا عن معدن فريد أصيل، وخلق رفيع جميل.

ثانياً: قيمة الوفاء بمختلف صوره، سواء الوفاء لقيمنا وتاريخنا، أو الوفاء لوطننا وأبناء شعبنا، أو الوفاء لقيادتنا ومؤسسينا، وعلى رأسهم مؤسس الدولة الشيخ زايد رحمه الله، رائد هذه النهضة، وقد عرض سمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، نماذج من سيرة هذا الإنسان العظيم، ومن ذلك قصة الصحافي الذي سأله عن سر إغداقه على شعبه، فأجابه بكلمة أبهرته، حيث قال: «إن أحداً لا يبخل على أولاده».

ثالثاً: ترسيخ الروح الوطنية، وذلك ببث روح التفاني في خدمة الوطن، وإظهار القدوات الحسنة، وعرض نماذج يُحتذى بها في شتى المجالات، فهناك التاجر الذي بذل ماله، وهناك الخبير الذي خطط واستثمر، وهناك الشاب الصغير الذي تسابق إلى تلبية النداء، وهناك الشباب والشابات الذين أنكروا ذواتهم في خدمة وطنهم، إلى نماذج كثيرة لا تُحصر.

رابعاً: بُعد النظر والإعداد للمستقبل، والعمل لتوفير الحياة الكريمة للأبناء والأحفاد والأجيال المقبلة، وعرض التحديات المستقبلية التي تتطلب الإعداد الجيد، وحسن استثمار الإمكانيات الموجودة اليوم لبناء غد مشرق، والتخطيط لاستراتيجيات تنموية شاملة تشمل 50 سنة قادمة، وتوفير البدائل لنضوب النفط، مثل بناء الطاقة النووية النظيفة، ودعم القطاعات الصناعية، وغير ذلك من المشاريع التي تسهم في بناء اقتصاد قوي ومزدهر ومتنوع ومستدام.

خامساً: حسن التخطيط والتحلي بالرؤى المتميزة التي تقوم على التميز والابتكار، وعلى العناية بالمخرجات وتطويرها، سواء في مجال الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الأمن أو غير ذلك.

سادساً: إعلاء قيمة الإنسان، والحرص على تنمية الكوادر البشرية، والعمل على تخريج أجيال تتسلح بالعلم والمعرفة في مختلف مجالاتها.

سابعاً: بث روح الأمل والتفاؤل والطاقة الإيجابية، والتذكير ببعض التحديات التي تم تجاوزها، حيث ذكَّر سموه الحضور بأنه في عام 2008 كان البترول أعلى مما كان، ووصل إلى أقل مما هو عليه الآن، ومع ذلك فقد كانت سفينة الوطن تنطلق في فضاء التنمية والازدهار.

ثامناً: الإرادة الصلبة وبث روح التحدي والإصرار، واستلهام ما كان عليه الآباء والأجداد من الجلَد والصبر، وقد ذكر لنا سموه مقولة الشيخ زايد، رحمه الله: «يجب على الجيل الجديد أن يعرف كم قاسى الجيل الذي سبقه، لأن ذلك يزيده صلابة وصبراً وجهاداً لمواصلة المسيرة التي بدأها الآباء والأجداد».

تاسعاً: غرس روح الوحدة والاتحاد، حيث أكد سموه أن البيت بفضل الله متوحد، وأن الوحدة هي مصدر قوة الوطن، وأن تماسك مجتمعنا هو الثروة الحقيقية.

عاشراً: التأكيد على العلاقات الأخوية المختلفة، حيث افتتح سموه كلمته بالتعزية إلى الشعب السعودي الشقيق بوفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، منوهاً إلى أن عزاءنا اليوم أن المملكة في أيد أمينة.

حادي عشر: ترسيخ قيمة السلام والاستقرار في المنطقة، حيث أكد سموه أن الإمارات تحرص على أن تبعث للعالم رسائل إيجابية بهذا الخصوص منذ نشأتها.

ثاني عشر: التأكيد على دور دولة الإمارات في مجال الأعمال الإنسانية، وأن هذا الدور المتميز مبعث فخر واعتزاز.

وأخيراً، فإن هذه الدروس المستلهمة من كلمة سمو الشيخ محمد بن زايد، تتطلب منا إدراكاً ووعياً واستيعاباً وتطبيقاً، لكي نكون جزءاً من المسيرة المشرفة المشرقة لدولتنا الغالية دولة الإمارات العربية المتحدة، نسأل الله تعالى أن يوفق قيادتنا وشعبنا لكل خير وازدهار في العاجل والآجل.