الموسيقى راحة من الواقع

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل تستطيع أن تقاوم سماع عزف زمفير ZIMFIR تلك الرائعة التي تجعل من أحلام اليقظة ممكنة، مما تجعلك تسترخي تاركاً العقل الواعي يأخذك إلى عالم الأحلام، وهنا قد تتذكر الأصدقاء من الجنسين، ممن شاركوك فترات جميلة من حياتك، حيث كنت تعتقد أن الإنسان قادر على تغيير العالم، وأن ينال ما يريده..

وتتذكر نسمات الهواء الباردة، وقطرات المطر التي تداعبك في هدوء، وكثير من الأهل والأصدقاء من حولك أينما تذهب، والحياة تسير بإيقاعها الخفي كالسموم تتخلل شرايين الجسم وأغواره..

وفجأة تشعر أن الحياة تذهب والشيخوخة تسحب عليك بظلالها الكثيفة والكئيبة، وأولئك البشر الذين كانوا من حولك، كل منهم ذهب إلى حيث قاده قدره، وتحاول إيقاف الزمن، وتنسى أن الشعيرات البيض في رأسك قد غيرت ملامح الرأس الأصلع..

وربما بقي لك القليل منه على جانبي الرأس، إنما الوسط فهو صحار قاحلة من اللمعان كلما سقطت الأنوار لمعت من فوقك. يقال والعهدة على الراوي أو القائل، إن العودة إلى الماضي ما هي إلا دليل على رفض الحاضر، وأيضاً عدم إدراك لتبدل الحياة في صورة أخرى..

وأيضاً تغير الناس أنفسهم، وهذا لا يعني بقاء البعض من الماضي معك، خاصة من أولئك الذين انتقلوا إلى رحمة الله تعالى. من الأحاسيس التي استجدت عليَ في الكبر ولم أكن أشعر بها في الصغر أو في مرحلة الشباب، أنني في الكثير من الأحيان، أخشى من رنين الهاتف وخاصة في فترتي الصباح الباكر أو المساء المتأخر، وأقول مثلما يقول الآخرون «اللهم اجعله خير».

لقد وجدت أفضل الطرق للهروب من هواجس الشيخوخة والوحدة وكبر السن هو الاستماع للموسيقى، إنه أفضل الحلول لإزالة التوتر والخوف لدى الإنسان، لكنه للأسف حل غير متداول في مجتمعاتنا العربية التي رغم تراثها الموسيقي الكبير إلا أنها تفتقر إلى ثقافة الاستماع للموسيقى، وهي ثقافة مهمة للغاية ومفيدة في بناء الفرد والمجتمع ككل. ونلاحظ في المجتمعات المتقدمة .

والتي نصفها بالمتحضرة، مقارنة بمجتمعاتنا، ظاهرة الحرص على الذهاب للحفلات الموسيقية، سواء من الكبار أو الشباب، ونلاحظ التزاحم على قاعات الموسيقى والسعي لشراء بطاقات الحضور مقدماً لضمان المكان..

والحرص على اصطحاب أفراد الأسرة وأقرب الأصدقاء، إنها أمور ثقافية واجتماعية ونفسية أيضاً، فالناس تحب الموسيقى وتذهب إليها حتى تنسى الهموم اليومية وتعيش لحظات الفرح والتأمل، ويبهرنا نحن العرب الاحترام والتقدير الكبير الذي يوليه الجمهور في الغرب للفنانين العازفين على الآلات الموسيقية.

والذين يعرفهم الناس هناك مثلما نعرف نحن نجوم كرة القدم والغناء، وما من مواطن عربي حضر حفلاً في قاعة موسيقى أوروبية إلا وانبهر بالنظام والهدوء والصمت المنقطع النظير الذي لا يخترقه سوى الأنغام والألحان تتهادى على الأذان والأبدان أيضاً.

الموسيقى الهادئة هي كما يقولون غذاء الروح للإنسان، ولعل العازفين على الآلات الموسيقية هم من ذوي الإحساس الرفيع والمرهف، أليس من العجب العجاب أن يكون بيتهوفن أصم وهو الذي أبدع في العديد من الموسيقى الكلاسيكية.

نحن في عالمنا العربي لا نفتقر للموسيقى الجميلة والموسيقيين العظماء، وكم من مواطن عربي استمع إلى موسيقى محمد عبد الوهاب وإلى معزوفات فريد الأطرش، وهو يداعب بأنامله أوتار العود في مقطوعة الربيع، والتي لا تزال مسموعة من قبل آلاف من البشر، ومجازاً فإن فريد الأطرش هو ملك العود. وأذكر أيضاً عازف الكمان عبود عبد العال.

السماع للموسيقى قديم قدم المجتمعات، وحتى أبناء البادية كان لديهم الآلة التي تطربهم وهي الربابة، فالعزف عليها يعطيهم الإحساس بالبيئة التي يحبونها وهي الصحراء.

طباعة Email