لا تكفي مفردات قاموس الشجب والاستنكار على كثرتها لإدانة الاعتداء الإرهابي الذي وقع مؤخرا في سيناء وضد الكتيبة 101، كما لا تكفي مفردات قاموس العزاء والمواساة والتعاطف للتعبير عن مشاعر المصريين إزاء أسر الشهداء والمصابين.
وكما أن هذا الحادث الإرهابي يمثل نقلة نوعية وخطيرة في مسار وتطور العمليات الإرهابية إعدادا وعدة وتخطيطاً وتدبيرا فإن مواجهة تداعياته تتطلب نقلة كيفية في التصدي للإرهاب على كافة الصعد ولن يتأتى ذلك إلا عبر استكشاف أهداف ودلالات هذا الحادث ووضع خطة تجمع بين المدى القصير والمتوسط والطويل لمواجهة الإرهاب.
استهدف الحادث الإرهابي الجيش المصري باعتباره العامود الفقري للدولة المصرية والقلب الصلب لها، ورسالته إلى المصريين تتمثل في فك ذلك الارتباط بين المواطنين وبين المؤسسة العسكرية وإرباك الثقة المتبادلة بينهما، إضعاف الدولة المصرية هو الهدف الأول للإرهاب..
حيث استعادت الدولة بعض العافية وتمكنت من استئناف الحضور في المشهد الدولي والإقليمي وتعد العدة لعقد المؤتمر الاقتصادي في مارس المقبل تمهيداً لجذب الاستثمارات واستعادة الثقة الدولية في الاقتصاد المصري، كما أن الدولة المصرية تسير قدما لإنجاز خريطة الطريق التي أجمعت عليها كافة القوى الوطنية بإجراء انتخابات مجلس النواب في مارس المقبل.
هذه الحياة التي تدب في الدولة المصرية وأوصالها وأجهزتها تعني في قراءة الجماعات الإرهابية ومن يمولها ويساعدها أن الطريق لعودة الإخوان إلى الحكم أصبح مقطوعا وأن الدولة والمجتمع يصممان على السير في اتجاه بناء الدولة ومؤسساتها ووأد الفتنة في المجتمع، وبناء على هذه القراءة فإن العمليات الإرهابية وتطورها النوعي استهدفت زعزعة الثقة في الدولة وتصدير اليأس للمواطنين من الوصول إلى الأمن والأمان.
لمصر خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب وسبقت الكثير من الدول في التعرض لموجات الإرهاب منذ النصف الأول من السبعينيات ومرورا بالثمانينيات والتسعينيات..
ولكن تختلف الموجات الإرهابية الحالية عن سابقاتها من أكثر من زاوية، حيث كانت الموجات الأولى محصورة في بعض الجماعات الإسلامية ولم تكن تحظى بدعم إقليمي ودولي كما هو الحال بالنسبة لموجات الإرهاب الحالية والتي تميزت بالإضافة إلى ذلك بصعود الإخوان إلى الحكم وبقاؤهم لمدة عام خبروا فيها دهاليز الحكم والدولة واضطلعوا على الأسرار الأمنية وغيرها من الملفات.
وبرغم خبرة مصر الدولة والمجتمع في مكافحة الإرهاب وسبقها في هذا المجال فإن اللحظة الراهنة وبعد هذه العملية الإرهابية الخطيرة في سيناء بحاجة لخطة مزدوجة على جبهتين، الجبهة الأولى محاربة الجيل الحالي من الإرهابيين في سيناء وفي الداخل أما الجبهة الثانية فتتمثل في وقف صناعة أجيال جديدة من الإرهابيين وتجفيف المنابع التي تغذي الإرهاب بدماء جديدة من الشباب.
وكل من هذه الجبهات يفترض مهمات نوعية وفنية مدروسة تشارك فيها العديد من المؤسسات المختلفة الحكومية والشعبية والمدنية السياسية والثقافية والمهنية.
فالجبهة الأولى أي محاربة الجيل الحالي من الإرهابيين يقتضي اليقظة والحذر والحيطة والاستخدام الشرعي للقوة باعتبار أن الدولة -أية دولة- ليس فحسب الدولة المصرية ينبغي أن تحتكر استخدام العنف المشروع نيابة عن المجتمع، وإذا كان العصب الأساسي في مواجهة الإرهاب على هذه الجبهة يتمثل في القوة فإن ذلك يقتضي تدعيم تسليح القوات وتعزيز مصادر وأجهزة المعلومات وإعداد وتدريب القوات المؤهلة.
أما الجبهة الثانية والتي تبدو مهمة في المدى المتوسط والطويل بل لا تقل أهمية عن الجبهة الأولى فتتمثل في وقف صناعة وإنتاج أجيال جديدة من الإرهابيين وتوقف تغذية الإرهاب بدماء جديدة..
ولا شك أن المواجهة على هذه الجبهة لا تخص الأمن والقوات المسلحة بل تخص المجتمع ومؤسساته المختلفة الدينية والتعليمية والثقافية والفكرية. إن المواجهة للإرهاب في الجبهة الثانية ينبغي أن تكون شاملة لأنها تشمل كافة مؤسسات المجتمع وتشارك فيها كافة القوى السياسية والمدنية لأن الإرهاب نتيجة تراكم أخطاء وسياسات سابقة عبر فترة طويلة من الزمن وليس هناك حل سحري للإرهاب بين يوم وليلة والوقت ليس متأخرا للقيام بهذه المهمات بشرط أن تبدأ الآن ويتطابق الخطاب مع الأعمال والأفعال وأن نثق دائماً أن النصر حليف لمصر ولشعبها.