أظهر رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، مرة أخرى، السبب الذي يبقيه واحداً من أكثر السياسيين إثارة للاهتمام في البلاد، من خلال دعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى احتفالات عيد الجمهورية، حيث أربك منتقديه وفاجأ مؤيديه.
وأخيراً، أبلغ الأمة بقراره في تغريدة على تويتر: «في عيد الجمهورية هذا، نأمل أن نستقبل صديقاً.. دعيت الرئيس أوباما ليكون الرئيس الأميركي الأول الذي يشرف المناسبة بوصفه ضيف الشرف».
وأسرع البيت الأبيض بقبول الدعوة، مشدداً على الأهمية التي تعلقها واشنطن على «استعادة الدينامية في العلاقات الأميركية - الهندية، والثقة التي لديها في قدرة مودي على الوفاء بعهوده».
وخطوة مودي استثنائية لأسباب عدة، والأمر الأكثر لفتاً للأنظار يكمن في محض الجرأة التي يظهر فيها مودي أنه يتحدى شعارات السياسة الخارجية من الماضي. وعلى السطح، فإن دعوة موجهة إلى الرئيس الأميركي ليست ذات أهمية حقاً.
ففي النهاية، تعتبر الولايات المتحدة الآن من أقرب شركاء الهند، وسواء أكان الأمر متعلقاً بالاقتصاد، الدفاع، الأمن الإقليمي، أو الوضع الجيوسياسي، فإن هناك اليوم درجة من التقارب غير عادية بين مصالح الدولتين.
ومع ذلك، فإن حياء حكومة التحالف التقدمي الموحد بقيادة حزب المؤتمر الهندي في الإقرار بهذا الأمر علناً، كان انعكاساً للزخارف الأيديولوجية التي عفا عليها الزمن.
وحتى مع الحماس الشديد لرئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ لنسج علاقة قوية بين الولايات المتحدة والهند، إلا أن حزبه ضمن في السنوات الأربع الأخيرة، ليس فقط تأجيل النظر في العلاقات مع الولايات المتحدة، بل أيضاً بذل جهود متعمدة لتنفيس الحركة المندفعة قدماً على قضايا كانت بكل وضوح تصب في مصلحة الهند.
والآن، خلال بضعة أشهر فقط، أحدث مودي نقلة نوعية في العلاقات، على الرغم من رفض منحه تأشيرة دخول من قبل الولايات المتحدة في الماضي.
وفي الأشهر الأولى لولايته، فإن حكومته أفشلت مباحثات اتفاقية تسهيل التجارة لمنظمة التجارة العالمية، مما أدى إلى الكثير من الكلام عن عزلة دولية وشيكة للهند.
لكن نيودلهي تشبثت بموقفها التفاوضي، وانتهى بها المطاف إلى التوقيع على اتفاق مع الولايات المتحدة على هامش قمة شرق آسيا في ناي باي داو، تمدد إلى ما لا نهاية ما يسمى «بند السلام» في اتفاقية تسهيل التجارة.
وقد أشاد أوباما بـ«الزعامة الشخصية» لمودي في إيجاد وسيلة للخروج من المأزق، ولم يكن مجرد زعيم يميل إلى العرقلة، بل زعيم متحمس لإيجاد سبل للمضي قدماً.
وكان ذلك فوزاً دبلوماسياً واضحاً للهند، لكن رئيس الوزراء قرر أن يأخذ العلاقات الهندية الأميركية خطوة إلى الأمام من خلال دعوة أوباما إلى احتفالات عيد الجمهورية 2015، وهي دعوة ينظر إليها في العادة كاحتفال بالشراكات الدبلوماسية الوثيقة للهند.
ويا لها من مفارقة عندما يدرك المرء أن الصين وباكستان كانتا جزءاً من هذه الاحتفالات في الماضي، لكن لم تكونا ضمن أقدم الديمقراطيات في العالم، وما كان بمقدور حزب المؤتمر الهندي إنجاز مثل هذا العمل الفذ.
ورجال عدم الانحياز في الهند لا بد أنهم مذعورون من النجاحات الدبلوماسية لرئيس الوزراء مودي، فلسنوات عدة، قيل للأمة إن السبيل الوحيد الذي يمكن لمؤسسة السياسة الخارجية أن تضمن به المصالح الهندية، يكمن في العمل ضمن عنوان عدم الانحياز.
ومنذ سنتين فقط، فإن بعضاً من الأفضل والألمع ضمن مؤسسة السياسة الخارجية، خرج باستراتيجية سياسة خارجية «جديدة» للهند، وكان عنوانها ويا للغرابة «عدم الانحياز 2».
والآن لدينا رئيس وزراء وحكومة غير عالقين في المراسي الأيديولوجية السابقة، وتعيد حكومة مودي تشكيل السياسة الخارجية الهندية بطرق مهمة أساسية. وقد تخلى مودي الواثق بنفسه وفريقه، عن المواقف الدفاعية القديمة، فالهند اليوم تنخرط بثقة مع كل القوى العظمى للتوصل إلى أفضل النتائج الممكنة لصالحها.