تستحق مذبحة «شارلي إيبدو» في باريس وما تزامن معها في المتجر اليهودي كل الإدانة والاستنكار.

ومع أن الإدانة والاستنكار بكل معانيهما هما أول خاطرة حول هذه الجريمة النكراء، فإنها تفتح الباب أمام العديد من الخواطر والأسئلة، والتي يبدو للكثيرين أن الوقت ليس ملائماً لطرحها، إلا أن الأمانة مع النفس ومع الغير تتطلب البوح بهذه الخواطر وطرح هذه الأسئلة بهدف سبر أغوار هذا الحدث الشنيع وخلفياته ودلالاته في الحال والاستقبال.

يتعلق السؤال الأول بهوية الأخوين «كواشي» منفذي هذه الجريمة، حيث ولد هذان الشابان في فرنسا وعاشا فيها وحملا جنسيتها، وينتميان إلى الجيل الثالث أو الرابع من المهاجرين في فرنسا، كيف يحمل هذان الشابان كل هذا الحقد الأسود ضد البلد الذي عاشا فيه وولدا وحملا جنسيته؟

وإذا كانا قد عانا كغيرهما من أبناء الضواحي والمهاجرين من العنصرية والمعازل و«الإسلاموفوبيا» والصورة السلبية السائدة عنهم لدى الفرنسيين، فإن فرنسا تقدم لهم ولغيرهم الديمقراطية وآلياتها التي تفتح الباب لهم لتنظيم احتجاجاتهم وغضبهم في إطار القانون والنظام، وفضلاً عن ذلك فالديمقراطية تخلق منافذ ومسالك وأدوات لتصحيح الاختلالات الاجتماعية والسياسية وتجديد أطر المشاركة السياسية وفق القواعد المستقرة.

ظاهرة الأخوين «كواشي» تشير من قريب إلى طبيعة سياسات الإدماج والاندماج للمهاجرين من ذوي الأصول الإسلامية، وضرورة إعادة فحص أسسها ومبادئها وفاعليتها، وقد تشير هذه الظاهرة إلى جاذبية وفاعلية التنظيمات الإرهابية وتأثير خطابها في دوائر المهمشين والمعزولين في الضواحي الفرنسية.

أما السؤال الثاني فيتعلق بتراجع الخطاب الثقافي والعلمي وسيطرة الخطاب السياسي على المشهد العام في فرنسا، إزاء قضايا الهجرة والأقلية المسلمة في فرنسا، تبنى هذا الخطاب مقولات تبسيطية لفهم أزمة المجتمع الفرنسي واختزال هذه الأزمة في ظاهرة المهاجرين والمسلمين..

وقام برسم حلول مجتزئة وبسيطة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية عبر التخلص من المهاجرين وتشديد فرض القيود، ولم تسلم كافة أشكال الخطاب السياسي الليبرالي والاشتراكي من تأثيرات سطوة الخطاب اليميني المتطرف.

حضور الخطاب العلمي والثقافي في هذا المجال من شأنه أن يكشف التعقيد الكامن في هذه الظواهر، وتركيبها الاجتماعي والثقافي والسياسي، وأن يقلص أوهام البحث عن الحلول السريعة والناجزة، تلك الحلول التي لن توجد في ظل التعقيد الحالي للمشكلات، ليس فحسب في فرنسا، بل في أوروبا والعالم، فليست هناك حلول ناجزة، بل حلول نسبية أو بالأحرى حلول متجددة وفق الظروف.

أما السؤال الثالث فيتعلق بحرية الرأي والتعبير، وهل هي مطلقة بصرف النظر عن إساءتها للمنظومات الاعتقادية والرمزية لدى الآخرين؟

نعم حرية الرأي والتعبير مطلقة في مجتمع تخلص من المطلق والقداسة وأنجز حداثته، ودخل ما بعدها، واستطاع أن يخرج الدين من المجال العام إلى المجال الخاص، وقطع شوطا بعيداً في بناء ثقافته وحضارته على هذا النحو، بينما أن انتقاد المقدس والمقدسات والرموز الدينية لا يزال مجرما ومؤثما لدى المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات، وهم كثر على أية حال، ولا يتضمن ذلك بالضرورة إزاحة حرية الرأي والتعبير ورفضها بل وضع حدود لها.

استمرار هذا التعارض بين إطلاق حرية الرأي والتعبير وبين وضع حدود لها، ربما يعصف بالقيم العالمية والتشارك في حضارة حديثة واحدة والمكونات الثقافية الكونية في العديد من أرجاء المعمورة، ويقلص في الوقت ذاته من إمكانية وجود معايير كونية يقبلها الجميع.

القاعدة القانونية العرفية تقول «لا ضرر ولا ضرار»، و«أنت حر ما لم تضر»، وإن حدود الحرية الفردية تقف عند حدود عدم الإضرار بالآخرين، هذه الأسئلة وغيرها الكثير ليس الهدف منها تخفيف جرم الإرهابيين، ولكنها أسئلة تتعلق بهموم المنتمين للحضارة الحديثة أو يحاولون اللحاق بركبها، باحثين عن مكان لهم في إطارها.