طوال الشهور الماضية كان المسؤولون الفرنسيون يعرفون أن بلادهم في مقدمة الأهداف التي يمكن أن تتعرض لضربات الإرهابيين خارج العالم العربي والإسلامي. كانوا في البداية يتصورون أن الخطر مرتبط بعودة مواطنيهم الذين ذهبوا ليشاركوا «الدواعش» و«النصرة» و«القاعدة» وغيرهم في جرائمهم الحقيرة.

لكنهم بعد ذلك أيقنوا أن الخطر يقترب أكثر، وأن ضربات الإرهاب لن تنتظر. وقبل أيام فقط كان وزير داخلية فرنسا يكاد يصرخ وهو يطلب التدخل في ليبيا قبل أن تتحول إلى قاعدة انطلاق للإرهاب ضد جيرانها وضد أوروبا.

ومع كل الترقب والاحتياطيات، ضرب الإرهاب في قلب باريس. ووقعت المذبحة في مقر صحيفة « شارلي أبدو» الساخرة بعد ساعات من نشرها كاريكاتيراً سافراً للخليفة الداعشي المزعوم على موقعها الالكتروني. ويذكرنا الأمر بما وقع قبل أحداث 11 سبتمبر، فقد ثبت من التحقيقات أن جهات كثيرة (من بينها جهاز المخابرات في مصر) قد حذرت واشنطن من الهجوم الإرهابي.

لكن ذلك لم يمنع الكارثة التي تترك آثارها على المنطقة العربية والعالم كله حتى الآن. التحقيقات في جريمة باريس مازالت في بدايتها، ومع ذلك فأصابع الاتهام تتجه نحو الجماعات المتطرفة التي تدعي الجهاد من أجل الإسلام البريء من جرائمها. والآثار المتوقعة ستتخطى فرنسا وأوروبا كلها.

الجريمة البشعة التي شهدتها باريس لا تقول جديداً عن انحطاط الجماعات التكفيرية، ولا عن عدائها للعقل والحرية، ولا عن استهانتها بالروح التي حرم الله قتلها إلا بالحق الذي لا يعرفه هؤلاء القتلة الذين يسيئون للإسلام ويستبيحون الدم ويتوهمون أنهم قادرون على قيادة العالم نحو التخلف والظلام وهدم الحضارة وسيادة الجهل.

الجريمة البشعة لا تقول جديداً عن هؤلاء، لكنها تقول الكثير لمن أعمتهم السياسة الحمقاء عن التعلم من أخطائهم. هؤلاء الذين راهنوا على التحالف مع «القاعدة» فانقضت عليهم في النهاية. فإذا بهم يكررون الأمر مع جماعات تسير في نفس الطريق وإن رفعت لافتات جديدة.

من «داعش» إلى «النصرة» إلى كافة الجماعات التي خرجت من أصل الإرهاب والتكفير الذي تمثله جماعة «الإخوان» والتي خرجت كل جماعات الإرهاب من عباءتها، وتدرب كل زعماء التكفير وقادة العصابات التي تدعي زوراً انتسابها للإسلام الحنيف في تنظيماتها.

وتعلموا القتل والتدمير من تعليمات مرشديها ومن كتابات «مفكريها» الذين ساروا على نهج الخوارج، وانتجوا لنا هذه الأجيال من «القطبيين» الذي كفروا العالم كله (بمن فيه من المسلمين من غير الجماعة) واستباحوا الدم الحرام، واعتبروا الوطن مجرد «حفنة من تراب عفن» كما وصفه سيد قطب!!.

جريمة باريس البشعة تدين كل من تحالف مع هؤلاء التكفيريين، وكل من ساعدهم على الانتشار في العالم، وكل من دعمهم ليحكموا مصر ثم العالم العربي كله كما توهموا قبل 30 يونيو، وكل من تآمروا لتدمير سوريا والعراق، ولتحويل ليبيا إلى مركز للإرهاب، وإلى قيادة اليمن إلى حروب الطوائف بعد هدم الدولة، ولرعاية إخوان الإرهاب وهم يواصلون تآمرهم ضد استقرار مصر ودول الخليج العربي.

ويشاركون في نشر الفوضى والدماء في الوطن العربي، ويتمتعون –في نفس الوقت- برعاية أميركا وحلفائها وعملائها الذي يصرون على أن الجماعة التي أعادت فكر الخوارج قبل ثمانين عاماً لم تتوقف فيها عن الإرهاب، فمازالت تمثل –عند واشنطن وحلفائها وعملائها– شريكاً ديمقراطياً..

بالصدفة البحتة جاءت جريمة باريس بعد حدثين شهدتهما القاهرة في الأسبوع الماضي، وأكدوا أن مصر (ودول الخليج التي وقفت معها) كانت على حق حين وضعت المعركة مع «إخوان الإرهاب» بأنها حرب وجود لا يمكن التهاون فيها..

حتى ولو تهاون من راهنوا على «الإخوان» وحلفائهم ليقودوا المنطقة إلى الوقوع تحت أسر تحالف قوى التآمر الخارجي مع تجار الدين وبائعي الأوطان!!. الحدث الأول.. كان لقاء الرئيس المصري مع علماء الأزهر الشريف في ذكرى المولد النبوي، حيث طالب السيسي بثورة لتجديد الفكر الديني.

أما الحدث الثاني فكان الحضور الاستثنائي للرئيس المصري لاحتفال الكاتدرائية القبطية بعيد الميلاد المجيد الذي تحتفل به الكنيسة المصرية في السابع من يناير، ولا شك أن الحدثين يكرسان نهجاً جديداً في التعامل مع الشأن الديني غاب عن مصر مع غياب الزعيم عبد الناصر الذي جسد توافقاً وطنياً وقومياً افتقدته مصر بعد ذلك. الآن.. تكشف جريمة باريس لدول الغرب أن الإرهاب لا وطن له.

وتكشف أيضاً أن انتظار عودة الإرهابيين من «بعثاتهم» التدريبية مع «داعش» والقاعدة كان خطأ، وأن خلايا الإرهاب موجودة داخل أوروبا وهو ما يضاعف الخطر، وما يدعو دول الغرب لأن تكون في حالة استنفار دائم بعد أن سقطت للأبد الفكرة السقيمة التي روجت يوماً ان انشغال الإرهابيين بقتل العرب والمسلمين في بلادهم سوف يبعدهم عن تهديد الغرب، ويحصر جرائمهم بعيداً عن أوربا وأميركا!!.

 الوضع بعد مذبحة «شارلي إبدو» في قلب باريس لن يكون كما كان قبلها. ودول أوروبا وأميركا تعرف الآن حجم الخطأ الذي تم بالسكوت على الإرهاب أو توهم إمكانية الاتفاق مع بعض فصائله.. اتقاء لشره، أو استغلالاً لهذا الشر في تنفيذ مخططاتها التي تثبت فشلها القاتل.