يشكل صعود ظاهرة الإرهاب والتطرف والتكفير خطراً داهماً على المجتمعات العربية والإسلامية، ليس فحسب لأنه يقدم صورة مشوهة وشائهة للإسلام والمسلمين، ويزيف طبيعة الإسلام السمحة ورسالته الكونية العالمية، وليس أيضاً لأنه اختطف الإسلام واستأثر به دونا عن المؤسسات الدينية العريقة في التعريف بالإسلام وعلوم الدين ومناهجها المعتدلة والسمحة..

ولكن أيضاً وبالأساس لأن هذه الظاهرة الخطيرة تقوض أسس ومقومات العمران والدولة والحياة، وتقيم بين المجتمعات العربية والعالم علاقة انفصام وانقطاع وقطيعة، كفيلة بعودة هذه المجتمعات إلى قانون الغاب وشريعة السلاح والاقتتال الأهلي..

وجاهلية أمر وأخطر من الجاهلية الأولى مقارنة بتطور روح العصر الحديث وقيمه ومبادئه. وبدون شك فإن أي مواجهة لظاهرة الإرهاب والتطرف والتكفير لن تكون قادرة على القضاء على هذه الظاهرة، ووقف إعادة إنتاج أجيال جديدة من الإرهابيين والمتطرفين والتكفيريين، إذا ما اقتصرت هذه المواجهة على البعد الأمني دون جميع الأبعاد الفكرية والسياسية والثقافية لهذه الظاهرة.

على الصعيد الوطني تميزت حقبة السبعينيات في مصر بتعثر المشروع الوطني والقومي لعبدالناصر بعد هزيمة 1967، وقصور الدولة عن تلبية حاجات المواطنين إلى الديمقراطية والتعددية وتحقيق معدلات نمو مرتفعة وهو الأمر الذي شجع على تبني سياسات جديدة، ثم لجأت الدولة والسادات على رأسها للدين والجماعات الدينية والإخوان المسلمين لمعادلة ومعاكسة تأثير المعارضة اليسارية والناصرية..

ودخلت الدولة مجال المنافسة في الاستحواذ على الدين وتوظيفه، وقد أفضى هذا المناخ إلى سيطرة الجماعات الإسلامية والإخوان على قطاعات كبيرة من المواطنين، وأصبحت هذه القطاعات بحاجة لمن يقدم خدمة تعليمية أو صحية أو علاجية أو اجتماعية بأسعار زهيدة بعيداً عن أسعار القطاع الخاص، وقد أفضى ذلك إلى أسلمة الثقافة وقطاع كبير من الخدمة الأهلية وانتشار الإسلام بصبغته السياسية في الأوساط الاجتماعية المختلفة خاصة الأوساط الفقيرة والمهمشة ..

والتي كانت ضحية السياسات الجديدة. منذ ذلك التاريخ ومن خلال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتراجع الدولة وانسحابها التدريجي من أداء وظائفها الأساسية في تلبية احتياجات المواطنين، أصبح الإسلام والدين موضوعاً ومجالاً للمنافسة والسباق للاستحواذ عليه بين الدولة وأجهزتها الإعلامية وبين مختلف جماعات الإسلام السياسي..

وارتهنت هذه المنافسة بالتفاهمات الضمنية حيناً والصريحة حيناً آخر، وبالصراع بين الدولة وبين الجماعات وفق معادلات القوى والسياسية، وكان من نتائج ذلك تهميش المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء والأوقاف واستحوذت الجماعات الدينية والسلفية على مجال الفتوى وترويج الرؤى الدينية المجتزأة والمبتسرة باعتبارها صحيح الدين وتتميز بالقداسة لأنها تستند إلى الخطاب الديني.

على الصعيد الدولي شهد العالم ثورة في الاتصالات والمعلومات والبث المباشر وعولمة أسواق المال ودخلت العولمة أطواراً جديدة من توحيد أنماط الاستهلاك وأنماط الإنتاج وظهرت السياسات النيو ليبرالية باعتبارها البديل الوحيد والناجح لتجاوز عثرات الفقر والبطالة والإنتاج، خاصة بعد سقوط وانهيار الاشتراكية السوفيتية ودول أوروبا الشرقية، وظهرت النزعات الانفصالية على أساس ديني وعرقي وطائفي..

لأن العولمة خلقت مخاطر توحيد الهوية أو تغريبها أو تذويبها في هويات أخرى غربية وعالمية والحال أن تلك المخاطر والمخاوف قد شجعت على العودة إلى الهويات الأولية هويات ما قبل الدولة الحديثة، هويات ذات طابع طائفي أو ديني أو عرقي باعتبارها الحصن الأخير والملاذ ضد المخاطر والتحديات التي تواجه الهوية القومية.

ما قبل هذه الحقبة أي حقبة العولمة كان الاتحاد السوفيتي السابق قد غزا أفغانستان وأعلن الأفغانيون الجهاد ضد القوات الغازية ودخلت الولايات المتحدة على خط الجهاد ضد السوفيت بهدف أن تكون أفغانستان للاتحاد السوفيتي...

كما كانت فيتنام للولايات المتحدة الأميركية ولعبت المخابرات المركزية أدواراً مهمة في تدعيم كتائب المجاهدين ضد السوفييت من جميع الأقطار العربية، لم تنظر الولايات المتحدة الأميركية كغيرها من الدول العربية التي انخرطت في مسلسل دعم الجهاد والمجاهدين ضد السوفييت إلا إلى الأهداف السياسية المؤقتة أي هزيمة إمبراطورية الشر وأغمضت الطرف عن المخاطر التي يتضمنها هذا النهج في المدى الطويل.

مواجهة هذه الظاهرة ينبغي أن تكون شاملة بمعنيين الأول أن تشمل جميع الجهات والدوائر والأجهزة في المجتمع المدني والدولة والمؤسسات الدينية الرسمية وغيرها ..

والثاني أن تشمل المواجهة الأبعاد الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليم وأن يسترشد ذلك بفصل الدين عن السياسة باعتبار أن الدين مطلق ومقدس والسياسة شأن دنيوي يخضع للنسبية ويحتمل الجدل والاختلاف وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه المواجهة ينبغي أن تكتمل ببناء تحالفات إقليمية لمواجهة الإرهاب وأن يكون المجتمع الدولي داعماً لخطط مواجهة الإرهاب.