أثار حكم البراءة الذي حصل عليه مبارك ومعاونوه من تهمة قتل المتظاهرين إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، ردود فعل واسعة محلياً ودولياً، من الطبيعي أن الاحتكام للقضاء يحتمل الأمرين معا أي الإدانة والبراءة.
وبما أن أي حكم قضائي هو فصل بين طرفين متنازعين، فإن الحكم بالبراءة يغضب الطرف الذي كان يتوقع الإدانة، ويفرح الطرف الآخر، فلكل من البراءة والإدانة أنصارهما ومؤيدوهما علي اختلاف توجهاتهم.
وبصرف النظر عن مواقف القوي السياسية المختلفة في المشهد الحالي من حكم البراءة المثير للجدل، فإن التركيز هنا يتعلق بالتعليقات وردود الأفعال المحلية والعالمية إزاء حكم البراءة، وخاصة تلك التعليقات التي ربطت بين مصير ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 وبين حكم البراءة.
ذلك أن العديد من هذه التعليقات والتصريحات أعلنت أن هذا الحكم "ذهب التضحيات هباء منثوراً" وفقاً لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأمريكية واعتبرت نيويورك تايمز "أن تبرئة الرئيس السابق" رفض ساحق" لثورة يناير، وأن هذا الحكم "صفعة جديدة لروح الثورة المصرية" و"نكسة كبيرة" لروح أهم ثورات الربيع العربي وفقاً لمجلة "تايم" الأمريكية.
ونشرت العديد من الصحف البريطانية تعليقات مفادها أن الحكم "ختم قضائي علي انتكاس الثورة" وعلق بعض الباحثين الأجانب قائلاً "إن الحكم انتصار كبير للنظام القديم والدولة العميقة" رغم صحة الحكم من الناحية القانونية، ووصفت جريدة "جارديان" الحكم بأنه "تحكم الثورة المضادة"، وذهبت العديد من التعليقات والتصريحات في هذا الاتجاه الذي يربط مصير الثورة بهذا الحكم ويعلن نهاية الثورة.
وهذه التعليقات تثير بدورها الجدل، تماماً كحكم البراءة الذي علقت عليه، والسؤال هو هل يمكن لحكم قضائي أياً كان أن ينهي ثورة شارك فيها ملايين المواطنين وامتدت موجتها الثانية في 30 يونيو لتدفع هي الأخري ببضع عشرات الملايين من المواطنين ضد حكم الإخوان؟
وهل كانت طبيعة الدعوي المرفوعة أمام القضاء تتعلق بوقوع ثورة أم عدم وقوعها، أو توصيف ما حدث إبان الثمانية عشر يوماً من يناير عام 2011 وما إذا كان ثورة أم انتفاضة أو احتجاج؟ لقد تعلقت الدعوي المرفوعة أمام القضاء بأحد نتائج ثورة الخامس والعشرين من يناير وهي جريمة قتل المتظاهرين وليس بانتهاء الثورة أو فشلها.
ولا شك أن الرد علي هذه التعليقات يتمثل في أن الثورة والقوي السياسية التي ساهمت في صنعها قد ارتضت طوعا أو كرهاً – ونتيجة لتوازنات سياسية إبان هذه الفترة، بين الفاعلين في المشهد السياسي، الذي أعقب الثورة اللجوء إلي المحاكم والقضاء الطبيعي، ولم تلجأ إلي المحاكم الاستثنائية والقوانين الاستثنائية، وهذا الأمر وإن كان مخيبا للآمال والتوقعات من قبل أهالي الشهداء والثوار والقوي السياسية.
إلا أنه من منظور آخر ربما يحسب للثورة المصرية والقوي السياسية التي وقفت وراءها ودعمتها، إذ ينطوي علي رفض المحاكمات الاستثنائية واعتبار خصومها مواطنين أفسدوا في الأرض ينبغي محاكمتهم وفقا للقاضي الطبيعي، واعتبار أن مثل هذه المحاكمات الاستثنائية قد تنتقص من حقوق التقاضي وضماناته التي يكفلها للمتهمين.
وقد يكتب التاريخ في صفحاته ويذكر ذلك كميزة انفردت بها الثورة المصرية دونا عن غيرها من الثورات؛ لأنها باختصار ثورة ديموقراطية طالبت بالديموقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان وإقامة دولة مدنية عصرية ستظل بحكم القانون.
صحيح أن الثورة قد تعرضت للفشل والإحباط ولكن ذلك ليس مرتبطاً بالبراءة لخصومها، بل يرتبط بأسباب أخري من بينها بقاء السياسات السابقة علي الثورة أو صعود حكم الإخوان، أي عودة السياسات المنحازة للأغنياء والتي تعمق الفقر والعوز والتخلف.
أو تلك السياسات الطائفية الدينية التي تقسم الأمة إلي ملل ونحل، ولقد تمكنت مؤسسات الدولة من احتواء وترويض الثورة وفشل الثورة قد يعود إلي الضعف التنظمي والقيادي للثوار، ورفض الانخراط في بني مؤسسيه وحزبية تمثل قوي ضاغطة علي النظام لتبني سياسات تحقق أهداف الثورة وإعلان انحيازاته لأهداف الثورة ومطالبها.
لقد انخرطت الثورة المصرية في عملية تغيير واسعة استهدفت إنهاء التسلط وبناء دولة القانون والدولة المدنية والقضاء علي الفساد وتدعيم حقوق المواطنة والحريات، ونجحت في إسقاط نظام مبارك ورموزه، ووضعت سدا منيعاً في وجه عودة هذا النظام، يتمثل في عودة المواطن إلي الاهتمام بالشأن العام والمجال العام والفضاء السياسي.
وكسر حاجز الخوف بعد إسقاط نظامين مثلاً وجهين لعمله واحدة رغم اختلاف منطلقاتهما، نظام الإخوان ونظام مبارك، كانت محاكمة مبارك مجرد جزئية صغيرة في سياق عملية التغيير التي قادتها الثورة، لم يكن الدافع للثورة هو الانتقام من مبارك بقدر ما كان إسقاط نظامه الذي أنتج الفقر والعوز وضمن إعادة إنتاجهما عبر العقود.
تبرئة مبارك ومعاونيه لا تعني مطلقاً تبييض صفحة نظامه أو صفحات معاونيه، فهذه الصفحات سوف يذكرها التاريخ ويتوقف عندها طويلاً باعتبارها من أسوأ الصفحات، في تاريخ هذه الأمة، التي فقدت فيها بريقها ووهجها وتأثيرها في محيطها وعالمها.
إن الخصومة بين نظام مبارك وبين الثورة ليست شخصية وإنما موضوعية تتعلق بنظامه وسياساته الداخلية والخارجية، ومعيار النجاح هو إنهاء هذه السياسات وبدء سياسات جديدة تفتح الطريق لمصر إلي الانطلاق والتعافي.
إن اختزال مصير الثورة في حكم البراءة يحكم علي الثورة المصرية بالسطحية، فكأنما قامت الثورة لمحاكمة مبارك، وكان ذلك هو هدفها الأول، في حين أن الثورة كانت لها أهدافها الأكثر شمولاً واتساعاً، إزاحة النظام برموزه وسياساته وإفساح المجال للتطور الديموقراطي العصري ودولة القانون.
إن تاريخ الثورة المصرية وتقويم مسارها لن يكتبه بالضرورة حكم قضائي، بل ستكتبه نتائج الثورة وإنجازاتها وتجلياتها في الواقع والعمليات والديناميات التي فتحت الثورة أمامها الأبواب رغم الفشل وهي علي أية حال كثيرة ولم تصل إلي نهاياتها بعد.
تكتسب محاكمة مبارك ومعاونيه في هذا السياق قيمة رمزية ومعنوية، حيث لبث وراء القضبان بضع سنين وامتثل للمحاكمة التي طالب بها الشعب ولا شك أن هذه الواقعة تمثل سبقاً تاريخياً انفردت به مصر والمصريون.
والوجه الآخر للبراءة التي حصل عليها هو بقاء قضية قتل المتظاهرين ماثلة في ضمير المصريين حتي يظهر الفاعل الأصلي، وهو أمر مرهون بإرادة وجهود كافة الأطراف، الثوار والقوي السياسية وأجهزة الدولة المختلفة وكافة الفاعليات المدنية القانونية والسياسية.