إن الجريمة النكراء التي وقعت في جزيرة الرِّيم، جريمة غريبة على مجتمعنا، ومخالفة لديننا وثقافتنا وقيمنا وعاداتنا وأعرافنا، وبعيدة كل البعد عن طبيعة دولتنا الحريصة على الأمن والأمان والسماحة والتعايش السلمي.

ومن تأمل في أسباب هذه الجريمة يجد أنها لم تنبع من الموروث الديني والثقافي للمجتمع الإماراتي، وإنما جاءت نتيجة التردد على المواقع الإرهابية الدخيلة، التي تمتلئ بما يهدم أي عامل إيجابي في طريق الشخص، ويميت وجدانه وإنسانيته، فقد ينشأ الشخص في أسرة متعلمة ومثقفة، ولكنه ينحرف عن المسار بسبب هذه المؤثرات السلبية وضعف الحصانة العلمية..

وقد يسهِّل ذلك ضعفُ الطرح القوي المضاد الذي يتصدى لهذه المؤثرات، عبر الوسائل الحديثة التي تسرع وصوله إلى الناس. ولا شك في أن التصدي للتطرف والإرهاب يتطلب أنواعاً من التدابير الوقائية والعلاجية التي تُحصِّن الأجيال من الأفكار الموبوءة، ومنها:

أولًا: التربية العلمية، وذلك بنشر العلم الصحيح النافع، المستند إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وما عليه علماء الأمة وأئمتها المعتدلون الراسخون، فلا شيء أنفع في الوقاية من التطرف، من الحصانة العلمية. ومن صور التربية العلمية:

إظهار المفاهيم الناصعة التي اشتمل عليها الدين الحنيف، مثل: السماحة، والوسطية، واليسر، وحفظ الحقوق، وحسن التعامل مع الخلق، وتعظيم حرمة الدماء، وتحريم الغلو في الدين، وغيرها. ومن صور ذلك أيضاً:

مواجهة الشبهات المضللة التي تغذي الإرهاب والتطرف بالحجة والبرهان، سواء في باب التكفير أو الجهاد أو الولاء والبراء، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التعامل مع غير المسلمين وغيرها، وقد حرص الصّحابة، رضي الله عنهم، على ذلك حينما طرأت الشبهات، وردوا كثيراً من المخدوعين إلى جادَّة الحق والصواب بالحوار العلمي المقنع.

ثانيًا: التربية الإيمانية والعبادية القويمة، وذلك ببيان المفاهيم الصَّحيحة للعبادة، والحث على العناية بمبدأ الوسطية والاعتدال فيها، والبعد عن الإفراط والغلو، وتنمية الوازع الديني الذي يقوِّي صلة العبد بربه ويمنعه من الإثم والعدوان.

ثالثًا: التربية العقلية والفكرية السوية، وذلك بالحث على بناء التصوُّرات الصحيحة، وترك القناعات الفاسدة، والحذر من القول على الله بغير علم، وعدم الاستقلالية في فهم الشريعة من دون الرجوع إلى أهلها..

واجتناب التعصب المذموم للرأي، وعدم المسارعة إلى تبني الأفكار من دون نظر وتمحيص. رابعًا: التربية العاطفية المتَّزنة، وذلك بتهذيب العواطف، وترشيد الغيرة، وضبط الانفعالات، وعدم التسرع في ردود الأفعال، وتغليب لغة الشرع والعقل على أي عاطفة منفلتة.

خامسًا: التربية الأخلاقية، بترسيخ منظومة الأخلاق والقيم والسلوكات الحميدة التي تحدُّ من الغلو والتطرف، مثل: الحلم والأناة والرحمة ومحبة الخير للآخرين والإحسان إليهم والتواضع معهم، وترك التهور والغرور والتكبر والاحتقار والإعجاب بالنفس وغير ذلك.

سادسًا: التربية الوطنية، ومن صورها: غرس طاعة ولي الأمر والتزام بيعته والثقة في قيادته الرشيدة، والدفاع عن الوطن والحرص على مصالحه العليا والحذر من الإساءة إليه، واجتناب الشائعات المغرضة التي تريد الإضرار به. سابعًا: التربية الأمنية، ومن صورها:

تنمية الاستشعار بقيمة الأمن وأهميته وضرورة المحافظة عليه، وتنمية حس اليقظة والفطنة والحذر من المهددات المختلفة، كالتنظيمات المتطرفة والمواقع الإرهابية والتيارات الحزبية والشخصيات المشبوهة. ثامنًا: التربية الدعوية الصحيحة...

وذلك بالتعريف بمقاصد الدعوة، والتنويه بأهمية الكلمة الطيبة والأساليب الحكيمة، وبيان هدي الأنبياء والعلماء في ذلك، والبعد عن أساليب العنف والفتن والتشغيب، وبيان أن نصرة الدين إنما هي بإظهار جماله ومحاسنه وتحبيب الخلق فيه، وعدم الإساءة إليه بالممارسات المسيئة والمشوِّهة.

تاسعًا: وضع استراتيجيات ورؤى لضبط وتقنين وترشيد الوسائل الحديثة، لاسيما الشّبكات الإلكترونية، بهدف تأمينها من المواد المرتبطة بالإرهاب والجريمة، وذلك لحماية العقول والمجتمع من خطرها وأضرارها.

ويتأكد هذا الجانب مع تزايد الأنشطة الإرهابية الإلكترونية في هذه الفترة، وسرعة وصولها وانتشارها عبر هذه الوسائل. عاشرًا: الاستفادة من الإنترنت والوسائل الحديثة في تكثيف الخطاب الديني المعتدل، الذي ينقض الإرهاب والتطرف ويعزز الوسطية والاعتدال، من مثل توفير مواقع إلكترونية توعوية تُعنى بهذا الجانب..

وتكون ذات جودة علمية تتناسب مع تحديات الواقع، وتحت إشراف لجان علمية متخصصة ومؤهلة، وعبر آليات ورؤى واضحة مستنيرة. حادي عشر: التوعية بالدور الكبير المنوط بالأسرة في المحافظة على الأبناء من المهددات المختلفة...

وذلك عبر التنشئة الصَّحيحة، والرعاية المستمرّة، والاحتواء الحكيم، والمبادرة إلى العلاج إذا ظهرت مؤشرات غلو أو إفراط، بحسن التوجيه والتثقيف، وذلك يستدعي توفير برامج تأهيليَّة تساعد الأبوين على تحقيق هذا الجانب.

إن ترجمة هذه الأمور بشكل فاعل، تحتاج إلى جهود متكاتفة من العلماء والمثقفين والمفكرين والإعلاميين، ومن المؤسسات المتنوعة الدينية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والإعلامية، تهدف إلى وضع مخرجات سليمة للوقاية والعلاج، وتهيئة برامج مناسبة تحقق ذلك، وتسهيل قنوات الاتصال التي تمكن هذه الثقافة الإيجابية من الوصول إلى الناس بأفضل الطرق.