مصر والسودان والمصير المشترك

ت + ت - الحجم الطبيعي

بحكم انتمائي القديم للحزب الوطني "الوطني"على حد تعبير المرحوم أستاذنا / فتحي رضوان فقد كنا نؤمن بأن مصر والسودان بلد واحد وأن مصيرهما مشترك. ولكن الأمور تطورت على نحو ليس في صالح أي من البلدين. ويقيناً هو ليس في صالح السودان وأكثر إضراراً بها من مصر.

كنا ونحن شباب في الجامعة نخرج في المظاهرات ونهتف بوحدة وادي النيل ووحدة شعب الوادي شماله وجنوبه. زاد الأمل بعد أن انفجرت ثورة 1952 وتحرك المد القومي ليشمل الأمة العربية كلها وفي القلب منها وادي النيل بمصره وسودانه.

ثم جاء استفتاء تقرير المصير واختار فيه السودانيون بأغلبية ضئيلة الانفصال والاستقلال. وكان تعليقي على هذا الاستفتاء في ذلك الوقت المبكر «استفتاء باطل» وقلت تأصيلاً على إيماني بوحدة القطرين هل يجوز أن نجري استفتاءً لإحدى محافظات الدلتا هل تختار الانفصال أم تختار البقاء. إلى هذا المدى كنا نفكر نحن معشر شباب الحزب الوطني «الوطني». ولا أنكر أن هذا كان تفكيراً رومانسياً إلى حد كبير.

وفي ذلك الوقت عام 1953 تغنى محمد عبدالوهاب بكلمات للشاعر مأمون الشناوي يقول فيها «اعملوا تنولوا واهتفوا وقولوا السودان لمصر ومصر للسودان». صدمنا نحن الشباب ما حدث على أرض الواقع من تطورات. الحمد لله أن الشق الشمالي من الوادي – مصر – ظل متماسكاً واستقرت وحدته على ثلاث قواعد صلبة:

جيشها المصري القوي وأزهرها العظيم وكنيستها الوطنية الموحدة. وكل التطورات والأحداث التي هزت المنطقة العربية وانتهت إلى دمار بعض أقطارها وما يوشك أن يكون كاملاً فإنها والحمد لله – بفضل شعب مصر ووعيه وبفضل جيشه وأزهره وكنيسته ونيله – لم تؤثر على وحدة مصر. كنت أقول دائماً إن الفتنة الطائفية هي الأمر الوحيد الذي يستطيع أن يؤثر – لا قدر الله ولا كان – على وحدة مصر ويكسرها. ومن هنا تأكيدي على أهمية الكنيسة المصرية الوطنية وأهمية الأزهر القلعة السنية التي ترعى الإسلام الوسطي المتسامح وجيش مصر الوطني العظيم الذي هو جيش مصر ومصر فقط.

ولكن الأمور للأسف وكما قلت بالنسبة للسودان جرت في مسار آخر مختلف. بدأ بانفصال الجنوب عن الشمال ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل إن أمور السودان تدهورت إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير. الجزء الجنوبي فيه مشكلات حول مناطق النفط وحول السدود والجزء الشمالي – وللأسف المر – فيه خلافات حول إقليم دارفور بالإضافة إلى ما تثيره «الحركة الشعبية – الشمال» ..

وذلك إلى جوار ما يسمى «الجبهة الثورية». وقد عقدت جولات ثمانية من المفاوضات بين الأطراف المتنازعة في شمال السودان وانتهت هذه الجولات الثمانية إلى الفشل لأن كل فريق لا يريد أن يسمع الفريق الآخر ولأننا بصفة عامة لا نعرف كيف نختلف والاتهامات المتبادلة بين كل فريق وآخر تزداد يوماً بعد يوم وبدأنا نسمع عن موقف «إبراهيم غندور» من جهة وموقف «ياسر عرمان» من ناحية أخرى..

وما يتهم به كل فريق الآخر من انسياقه وراء تحالفات عسكرية وأجندات سياسية لا علاقة لها بالسودان. ومازالت المفاوضات تجرى بين الأطراف المتنازعة في «أديس أبابا» ولكنها تتعثر مما يؤدي إلى استمرار الحروب وسقوط قتلى أبرياء.

من هذا الجانب أو ذلك الجانب. وحركة «العدل والمساواة» من جانبها تتهم حكومة الخرطوم بأنها غير جادة في الحوار وأن كل ما تريده هو وقف إطلاق النار فقط وإهمال بقية القضايا. إن وقف إطلاق النار مهم قطعاً ولكن الأهم منه أن نواجه الأسباب التي أدت إلى هذه الخلافات . كتبت مقالاً في «الأهرام» منذ عدة سنوات بعد انفصال الجنوب عن الشمال وكانت هناك أفراح في الجنوب بهذا الانفصال وقلت في ذلك المقال «السودان بين الأفراح والأتراح» والآن لم تعد هناك أفراح وإنما ظلت «الأتراح» والدماء. لماذا ابتلانا الله دون غيرنا بهذا الذي تعيشه بعض شعوب الأمة العربية.

 

طباعة Email