تأملات في سيرة عمرو بن العاص «2»

على الرغم من أن المسلمين كانوا قد فتحوا بلاد الشام بأسرها، إلا أنهم توقفوا طويلاً أمام نتائج استمرار سيطرة الرومان على مصر. ومن هنا بادر عمرو بن العاص إلى كتابة رسالة للخليفة عمر بن الخطاب أوضح فيها الأهمية الاستثنائية التي تتمتع بها مصر، وكيف أن الرومان يمكنهم بسهولة أن يهاجموا الشام انطلاقا منها، سواء كان ذلك برا عبر صحراء سيناء، أو بحرا انطلاقا من ميناء الاسكندرية.

أشار عمرو بن العاص كذلك إلى أن المصريين كانوا آنذاك يعانون أشد العناء في ظل الحكم الروماني الصارم. وطلب في ختام رسالته الإذن من الخليفة للانطلاق إلى مصر. مؤكدا أن أبناءها أنفسهم سيبادرون إلى الترحيب بجيش المسلمين باعتباره قوة جاءت لتحريرهم من نيران الرومان.

كانت مصر بلدا معروفا بالفعل للمسلمين، وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قد بعث قبل وفاته بسنوات رسالة إلى حاكمها المقوقس، حيث قوبل مبعوثه باستقبال حافل، وبعث المقوقس معها لدى عودته بهدايا قيمة إلى الرسول الكريم. وفي ذلك الحين، أكد الرسول الكريم أن الله سيفتح مصر للمسلمين، وأوصاه بأن يتخذوا منها جندا كثيفا لأن أبناءها خير أجناد الأرض.

غير أن الخليفة عمر بن الخطاب كانت لديه مخاوفه حيال اقتراح عمرو بن العاص بالانطلاق إلى مصر، فقد شعر بأن التعب قد نال من جيوش المسلمين التي خاضت غمار معارك عديدة ضد المشركين في العراق والشام، وبالتالي لا ينبغي ان يطلب منها في هذا المنعطف أن تخوض غمار حرب أخرى. وعلى الرغم من ذلك، فقد وافق الخليفة على أن يزحف عمرو بن العاص بجيشه باتجاه مصر..

ولكنه أضاف أنه يراد أن يستشير رجالاً آخرين حول مسألة الهجوم على مصر ذاتها، وسيكتب لعمرو بن العاص مجددا في هذا الشأن. أبلغ الخليفة عمرو بن العاص بأنه إذا أمره في رسالته الثانية بألا يواصل الزحف على مصر فإنه ينبغي عليه أن ينسحب. وكان عمرو بن العاص مصرا على أن يمضي قدما، ومن هنا فقد بادر إلى الزحف باتجاه مصر بأقصى سرعة يستطيعها جيش المسلمين.

وبينما كان لا يزال في فلسطين، وصلته الرسالة الثانية من الخليفة عمر بن الخطاب. كان عمرو بن العاص معروفا بحذقه وطموحه، ومن هنا فقد أدرك فحوى الرسالة، وقال لمبعوث الخليفة إن عليه أن يظل محتفظا بها إلى أن يضرب الجيش خيامه في مكان مناسب.

هكذا وبكلمات بارعة، تمكن عمرو بن العاص من تأجيل قراءة ما كتبه له الخليفة، وواصل على عجل الزحف بجيش المسلمين إلى الجبهة المصرية وعندما وصل إلى مكان قريب من العريش على ساحل سيناء، سأل بعض أبناء المنطقة عن المكان الذي بلغه الجيش فقيل له إنه يقف على أرض الكنانة. عندئذ فقط بعث عمرو بن العاص يستدعي مبعوث الخليفة ليقرأ الرسالة التي حملها معه أمام جيش المسلمين بأسره.

كان عمر بن الخطاب قد كتب في رسالته الثانية إلى عمرو بن العاص يقول إنه اذا بلغته هذه الرسالة وهو لم يدخل أرض مصر بعد، فإن عليه العودة بالجيش إلى أرض لشام، أما إذا بلغته الرسالة وقد دخل أرض مصر فإن عليه أن يمضي قدما ليفتحها، وعليه ألا يتراجع عن عزمه. عندئذ التفت عمرو بن العاص وسألهم: أليست هذه القرية جزءا من أرض مصر؟ فردوا عليه مؤكدين إنها كذلك. فأمر جيش المسلمين عندئذ بأن يمضي لمواصلة مسيرته في مصر.

كان عمرو بن العاص معروفا أيضا ببلاغته وأقواله التي كان يـُضرب بها الأمثال، ومن أقواله التي لا تنسى، ما ذهب إليه من تأكيد أن الرجل الفطن ليس هو الذي يميز بين الخير والشر، وإنما هو الذي يميز بين أهون الشرين الذين يعترضانه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات