كان من حظي أن أشهد الأيام الأخيرة والاحتلال يحزم حقائبه ويرحل، وأن أعيش لحظات الميلاد الصعب والرائع لهذا الكيان العربي الذي أصبح ملء السمع والبصر، والذي جمع الإمارات العربية في دولة واحدة رغم كل الصعاب والتحديات. كانت الظروف صعبة..

وكان كل شيء معرضاً للخطر، ولولا حكمة الآباء المؤسسين وفي مقدمتهم القائد المؤسس الشيخ زايد، ومعه رفاق الكفاح الشيخ راشد وحكام باقي الإمارات، لما كنا اليوم أمام قصة النجاح العظيم والمذهل التي تجسدها دولة الإمارات. وأيضاً لولا إيمان الآباء والأجداد من مواطني الإمارات بوحدة المصير..

ولولا حماس الشباب يومها لهذه الوحدة؛ لما كان ممكناً هزيمة كل دعوات التجزئة، وكل المؤامرات التي أرادت أن يظل التشرذم هو العنوان الذي تتعامل معه في هذا الموقع المهم (سياسياً واقتصادياً وعسكرياً) على شاطئ الخليج، حيث كانت الهوية، حتى هذه اللحظة، محل تنازع. كانت حرب السويس عام 1956 قد وضعت النهاية للإمبراطوريات الاستعمارية القديمة..

وكان على الاحتلال الأجنبي للأرض العربية أن يحمل عصاه ويرحل على كاهله ويرحل كما قال جمال عبد الناصر بعد الانتصار الذي ساهم فيه كل العرب في حرب السويس. وهكذا رحل الاستعمار الفرنسي عن شمال أفريقيا، ورحل الاستعمار البريطاني عن قواعده العسكرية في قلب العالم العربي، وعن سيطرته الكاملة على دول الخليج وجنوب اليمن.

 كان موعد تصفية الاحتلال قد تحدد مع بداية السبعينات، ولكن الظروف كانت قد فرضت أوضاعاً صعبة. حيث كانت هزيمة 67 قد تركت آثارها، ثم كان رحيل عبد الناصر ضربة قاصمة لقوى التحرر العربي..

وكان معنى ذلك أن يلقي بأعباء مضاعفة على قادة الإمارات وشعوبها وهم ينتزعون الاستقلال ويبدأون مشوار البناء والتقدم. في تلك القاعة الصغيرة التي احتشدنا فيها لنسمع الإعلان عن قيام دولة اتحاد الإمارات، كان الإحساس طاغياً بأن أملاً كبيراً قد تحقق. ولكن كان هناك أيضاً الإدراك العميق بأن المهمة ليست سهلة، وأن الجهاد الأكبر قد بدأ لبناء الدولة من الصفر، وحين نقول إن البناء قد بدأ من الصفر، فإن هذه هي الحقيقة بلا مبالغة.

وهي الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة أمام الأجيال الجديدة لتدرك أن الطريق لم يكن معبداً، وأن التحديات لم تكن سهلة، وأنه لولا القيادة الحكيمة للآباء المؤسسين للدولة لما كنا اليوم أمام هذا الإنجاز العظيم الذي يحمل راية الإمارات العربية المتحدة كرمز للتقدم..

ومثال يحتذى لدول العالم كلها في قهر التحديات وتقديم النموذج الأنجح للعرب في الوحدة، وتقديم المثل الأعلى للعالم في تجاوز كل اختلاف ديني أو عرقي، وبناء الدولة التي تثبت أن عروبة الخليج هي الضمانة الأساسية لاستقرار المنطقة وإبعادها عن الصراعات المدمرة إقليمياً وعالمياً. ومنذ اللحظة الأولى كان التركيز على بناء الإنسان بالعلم والعمل. وكان التمسك بالعروبة طريقاً للانفتاح على العالم وليس الانغلاق على النفس.

وكان الإدراك بأن التمسك بالقيم لا يمنع مطلقاً الأخذ بأسباب التطور والسير في الطريق القديم لبناء الدولة الحديثة. وكان اليقين أن التمسك بصحيح الدين هو العاصم من التطرف وهو السبيل لبناء الدولة المدنية التي تعرف لغة العصر وتخطط لمواجهة احتياجات المستقبل دون أن تتخلى عن هويتها أو تتقاذفها رياح الصراعات العاتية في المنطقة.

ما تحقق في دولة الإمارات هو معجزة بكل المقاييس. أن تبدأ من نقطة الصفر تقريباً ثم تبني في أقل من أربعة عقود هذا النموذج الفذ في التنمية والتقدم، وأن تتحول إلى مصدر إلهام لشعوب المنطقة كلها وإلى بقعة ضوء منير في ظل هجمة ظلامية تخاصم الحياة وتعادي العروبة والإسلام.

يفرض علينا ذلك أن نستنفر كل قوانا لكي نصون ما أنجزناه، ولكي نحمي ما بنيناه من قوى الشر التي تتربص بنا. وأن نمد أيدينا إلى الأشقاء في الخليج والأقطار العربية لكي نمنع قوى الظلام من أن تنتشر، ولكي نضرب بقوة على يد من يتآمر على أمن الوطن أو يريد الشر به. إنه الطريق نفسه الذي بدأناه مع صيحة الحق التي أطلقها زايد الخير قبل أربعين عاماً حين قال إن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي.

وكان الأمر من البداية، ومازال، تأكيداً على وحدة المصير العربي. وهو ما نراه اليوم حين تخوض الإمارات مع الأشقاء في الخليج ومع الشقيقة الكبرى مصر المعركة ضد «إخوان الإرهاب» الذين أرادوا إغراق المنطقة في جحيم الحروب الطائفية والمذهبية.

ولم تكن صدفة أن ينكشف تآمرهم على الإمارات في الوقت نفسه الذي استولوا فيه علي مقادير الأمور في مصر قبل أن يثور شعبها ويسقط حكمهم الفاشي بعد عام أسود لن ينسى. من رأى البدايات الصعبة مثلي يعرف قيمة ما تحقق من إنجاز عظيم على أرض الإمارات.

ومن يتابع الموقف في المنطقة الآن يدرك أن القادم، بمشيئة الله، أفضل. تقف الإمارات في الطليعة تدافع عن القيم التي آمنت بها في وجه الهجمة الظلامية التي تريد تدمير كل شيء في عالمنا العربي باسم الإسلام البريء من جرائمهم.

تقول الإمارات للعالم كله إن طريق الخير الذي سارت فيه منذ البداية لا يحتمل تجار الدين ولا دعاة الإرهاب ولا أعداء العروبة والإسلام. ترفض كل السياسات التي أدت إلى سقوط أقطار عربية كبرى ضحية الإرهاب والحروب الداخلية. لا تقبل المهادنة مع فكر منحرف وتيارات تخوض الأوطان وتنشر التطرف والضلال.

وتلتزم بالقاعدة التي وضعها زايد والآباء المؤسسون بأن مصر هي خط الدفاع الأول عن عروبة المنطقة وأمنها واستقرارها. تحية للإمارات (شعباً وقيادة) في عيدها الوطني، وهي تقدم النموذج العربي في البناء والتقدم، وفي حماية ما تبنيه من عواصف الشر ودعاة الفتنة وأعداء الوطن والعروبة والإسلام.