تأملات في سيرة عمرو بن العاص (1)

عندما بُعث الرسول الكريم كان عمرو بن العاص واحداً من أبرز شباب مكة، وقد ولد في عائلة تجمع بين الثراء والقوة، وقدر له أن يكون على موعد مع القدر باعتباره الذي سيقود جيشاً إسلامياً ضد الرومان الذين كانوا يحتلون أرض مصر، وأن يحررها من حكمهم الوحشي.

عاش عمرو بن العاص حياة حافلة، وكان شأن الكثيرين من رجالات مكة البارزين معارضة الإسلام في مستهل البعثة. وقد ترجم هذا الموقف عملياً إلى القتال ضد المسلمين في معركة بدر، التي هزمت فيها قريش على يد قوة من المسلمين أقل عدداً وعدة.

وشارك عمرو بن العاص في معركة أحد أيضاً في صفوف المشركين، حيث انعقد لواء الفوز فيها للمسلمين أولاً، إلا أن انسحاب الرماة المسلمين من مواقعهم أتاح للمشركين أخذ زمام المبادرة، غير أنه بمرور الوقت أحرز المسلمون المزيد والمزيد من الانتصارات على المشركين.

وفي أعقاب معركة الخندق، بعثت قريش عمرو بن العاص إلى الحبشة، لمناشدة حاكمها النجاشي إعادة المسلمين الذين كانوا قد هاجروا إليها فراراً بدينهم.

ويعتبر المؤرخون أن هذه الزيارة إلى الحبشة، كانت نقطة تحول شديدة الأهمية في حياة عمرو بن العاص، فهو بعد أن عبر البحر شق طريقه إلى قصر النجاشي حاملاً الكثير من الهدايا الثمينة، وعندما سأله النجاشي عما يود الحصول عليه لقاء هداياه، بادر إلى القول إنه يتمنى على النجاشي أن يسلمه الرجل الذي كان الرسول قد بعثه إلى بلاط الحبشة ليتحدث هناك باسم المسلمين الذين لجأوا إليها، وقد أثار هذا الطلب ضيق النجاشي، الذي أشاد بالرسول الكريم، قائلاً، إن رسالته ورسالة المسيح ينبعان من اصل رباني واحد.

وسأل عمرو: لماذا لم تؤمن بما جاء به الرسول الجديد؟

أحدث سؤال النجاشي تأثيراً بالغ العمق في نفس عمرو، ووجد نفسه يمعن التفكير في الرسول والرسالة التي جاء بها. مضى عمرو يتساءل عن السر في أنه لم يلتحق بركب أولئك الذين آمنوا بالإسلام وتعاليمه السمحاء، التي أشاد بها حاكم الحبشة المسيحي.

وفي طريق عودته إلى مكة عقد العزم على زيارة الرسول الكريم في المدينة، وأن يكتشف بنفسه على نحو مباشر السر في أن هذا العدد الكبير من الناس قد اعتنق الإسلام.

قدر لعمرو خلال رحلته عبر الصحراء من مكة إلى المدينة، أن يلتقي بقرشي آخر يشاركه في صدارة شباب مكة، وهو خالد بن الوليد، الذي كان قد حارب المسلمين في معارك عدة، ومن بينها بدر وأحد، وكان خالد بدوره في طريقه إلى المدينة للقاء النبي، صلي الله عليه وسلم.

كان النبي يجلس في المسجد الذي كان قد شيده في المدينة، عندما بلغه نبأ قدوم الرجلين من مكة لمقابلته. وكان خالد هو الأول الذي استقبله الرسول، وأعلن إسلامه بين يديه. وعندما جاء دور عمرو في إعلان إسلامه، قام بذلك بطريقة أظهرت شخصيته وكونه رجلاً يحرص على التفكير بعناية في كل ما يفعله قبل أن يقدم عليه.

قدر لهذا الموقف القائم على الحرص على التدبر، أن يكون أعظم نقاط القوة في شخصية عمرو بن العاص وفي مسار حياته قائداً عسكرياً ورجل سياسة، فقد قال للرسول الكريم، إنه على الرغم من كونه يريد أن يعلن إسلامه، فإنه سيفعل ذلك بشرط واحد، فتبسم الرسول وسأله عن هذا الشرط، فرد عمرو بأنه يود أن تغفر له خطاياه التي اقترفها في الماضي.

وعندئذ سأله الرسول الكريم عما إذا كان يعرف أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وعند ذلك بادر عمرو بن العاص إلى النطق بالشهادتين، لتمتد مسيرته المضيئة التي يستحق كل منعطف منها التوقف عنده طويلاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات