تواصل إسرائيل انتهاكاتها في القدس وفي المسجد الأقصى بصفة خاصة، وتمثل هذه الانتهاكات ــ رغم فداحتها ــ الجزء الطافي من جبل الجليد من الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة منذ سنوات عديدة في الحرم القدسي، هذه الانتهاكات هي الجزء المرئي، بينما هناك ما هو أعظم وأخطر من الانتهاكات التي تتم في عمق الأرض وأساسات المسجد الأقصى، والتي تتمثل في الأنفاق التي تقوم إسرائيل بحفرها تحت المسجد الأقصى وبزعم البحث عن الهيكل المزعوم.

عمليات حفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى تتواصل منذ سنوات وتشارك فيه هيئات يهودية مختلفة تحت رعاية السلطات الإسرائيلية، والهدف هو البحث عن آثار يهودية تمنح إسرائيل الزعم بأن الصلة بينهم وبين الأراضي الفلسطينية التي يحتلونها تاريخية وتدعم موقفها التفاوضي وتسوغ مشروعها الاستعماري.

تبحث الدول عادة عن الشرعية والسيادة عبر القنوات المعروفة في العلاقات الدولية، تبادل العلاقات الدبلوماسية، وتبادل المصالح والمنافع وقبل كل ذلك التوافق مع قواعد القانون الدولي واحترام معايير حقوق الإنسان، في حين أن إسرائيل ولعلمها أن الشرعية التي حصلت عليها حتي الآن لا تزال موضع جدل من الناحية القانونية والأخلاقية نظراً لانتهاكها المستمر للمبادئ القانونية والأخلاقية..

فهي تسعى عبر عمليات التنقيب والأنفاق والحفر تحت أساسات المسجد الأقصى للبحث عن الشرعية في باطن الأرض وتحتها، والهدف الإسرائيلي الكائن في الوعي واللا وعي هو تدعيم الشرعية القائمة على القوة والأمر الواقع بأسانيد وذرائع تاريخية مستخرجة من باطن الأرض الفلسطينية ومن تحت جدران وأساسات المسجد الأقصى لكي تزعم أن الصلة بفلسطين قوية وعميقة وتعود لآلاف السنين.

وبرغم كل هذه الأعمال والتنقيبات فإن حصادها من منظور الأهداف الإسرائيلية ووفقاً للكثير من علماء الأركيولوجيا والآثار ذوي المصداقية والثقة، كان هزيلاً إذ لم تثبت بعد تلك الصلة المزعومة بين اليهود وبين الأرض الفلسطينية والمسجد الأقصى، ولم تظهر بعد أي آثار يمكنها تأكيد وجود الهيكل اليهودي الجاري البحث عنه.

في حين أنه يثبت ووفق هؤلاء العلماء أنه كلما تعمق الإسرائيليون في البحث عن آثارهم في باطن الأرض وتحت جدران المسجد الأقصى وجدوا ما يثبت هوية هذه الأرض الفلسطينية والعربية والإسلامية ويثبت نسب هذه الأرض إلى الكنعانيين والمسلمين والمسيحيين الذين عاشوا في أرض فلسطين حقبا طويلة من الزمن، في حين أن مملكة اليهود التاريخية في هذه الأرض لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما انهارت وتفرق سكانها في مختلف الأصقاع والبقاع..

بل ولم يتمكنوا من التجمع مرة ثانية في مملكتهم التي انزوت وطوتها صفحات التاريخ، والأمر الثابت تاريخياً أن وجود اليهود في هذه البقعة من الأرض «فلسطين» كان وجوداً عابراً وطارئاً واستثنائياً مقارنة بوجود القبائل العربية والمسلمين واستمرار وجودهم إلى حد أنه يصعب نزع بصماتهم في التاريخ الموغل في القدم لهذه الأرض.

الهدف الإسرائيلي من عمليات الاعتداء والتنقيب والحفر تحت المسجد الأقصى يتمثل في إقامة الصلة بين حاضر إسرائيل وماضيها المزعوم في المنطقة، باعتبار أن التاريخ أحد مسوغات الشرعية والمشروعية التي تتمتع بمصداقية لا تتوفر حالياً لإسرائيل لاستناد شرعيتها على القوة والغطرسة والأمر الواقع، تهدف إسرائيل إلى البحث عن عمق تاريخي لها في الأرض التي استعمرتها بعد أن اكتشفت طيلة هذه العقود أن شرعيتها غير مكتملة ومنقوصة ومطعون فيها تاريخياً..

وأن جميع السبل التقليدية للحصول على الشرعية والاعتراف والسيادة ستظل كذلك غير كافية طالما لا تدعمها الوقائع التاريخية.

وبالإضافة إلى ذلك فإن هدف إسرائيل الثاني من وراء تخريب الأقصى والتنقيب في أسفل جدرانه يتمثل في إثبات صلة النسب المزعومة بين يهود إسرائيل والعبرانيين القدامى الذين أقاموا في هذه الأرض بعض الوقت، وتعتبر هذه أسطورة جديدة تضاف إلى قائمة الأساطير المؤسسة للدولة الصهيونية، وتتمثل هذه الأسطورة الجديدة في القول بأن اليهود عرق نقي لم يختلط بالأعراق الأخرى وظل محافظاً على نقائه العرقي طيلة هذه القرون..

وذلك يخالف كل ما أجمعت عليه الدراسات والبحوث التاريخية حول اختلاط الأعراق والسلالات البشرية عبر الهجرات الطوعية والقسرية والتداخل والتفاعل بين البشر، وانطبق ذلك على اليهود كما انطبق على غيرهم من الأقوام والممالك والشعوب ..

ولا يوجد أي استثناء في ذلك التاريخ لأي جماعة بشرية يخول لها القول بأنها نقية عنصرياً وعرقياً، ويزداد هذا الأمر وضوحاً بمعرفة طبيعة الهجرات التي شكلت إسرائيل الحالية وأصولها الجغرافية والعرقية. إن هذا البحث الإسرائيلي عن الشرعية تحت وفي باطن الأرض لن يجدي نفعاً ولا يمكن أن يشكل بديلاً عن الاعتراف الإسرائيلي بمشروعية الحقوق الفلسطينية في حدها الأدنى أي الدولة في حدود الأراضي التي احتلت عام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية وحل مشكلة اللاجئين..

فبهذا الطريق وحده تستكمل إسرائيل رحلة البحث عن الشرعية بدلاً من الهروب من الواقع والغوص في باطن الأرض. قد تستطيع إسرائيل – مؤقتاً- وباستخدام القوة والنفوذ لدى الدوائر الإعلامية والاستراتيجية والسياسية الغربية التشويش على الصوت والرواية الفلسطينية لوقائع الصراع العربي الإسرائيلي..

ولكنها لا تستطيع في الحال أو الاستقبال إسكات صوت التاريخ الفلسطيني والعربي في أرض فلسطين، ومع ذلك فإن إسرائيل تواصل مسيرة الهروب إلى الأمام وترفض التسليم بحقوق الشعب الفلسطيني وتغوص في باطن الأرض بحثاً عن تاريخ فقد ملامحه منذ زمن طويل.