كفاية خراب

ت + ت - الحجم الطبيعي

بسيطة جدا وعميقة جدا، وأكثر من البساطة والعمق إنها مؤثرة. هذه لوحة صغيرة يحملها طفل لا يتجاوز عمره عشر سنوات، رأيتها في التليفزيون وهو يذيع تقارير عن ما يجري في الشارع المصري، لفتت نظري هذه اللوحة وجعلتني أتألم وأتأمل.. صحيح «كفاية خراب». ومن الذي يعمل على خراب مصر كل صباح وكل مساء وفيما بين ذلك؟ ليسوا جميعاً على شاكلة واحدة، ولكنهم يتساوون في أنهم لا يفهمون معنى «الوطن».

من يعيش الوطن في وجدانه قبل عقله، لا يمكن أن يصدر منه عدوان يؤدي إلى زيادة الخراب في هذا الوطن. إذن، من يرتكب تلك الجرائم التي تهدد كيان هذا الوطن.

،والتي جعلت رئيس الجمهورية يؤكد أكثر من مرة وبأكثر من معنى أن مصر تواجه «حرب وجود» تأتي مصادرها من الداخل والخارج؟! إنه «الخراب» الذي رفع هذا الطفل الصغير لافتته البريئة البسيطة المعبرة، التي كتب عليها «كفاية خراب». ونعود إلى السؤال:

من أين يأتي هذا الخراب ومن يقوم به؟ لا يمكن أن نبرئ قوى خارجية بعينها تريد كسر ظهر مصر، حتى لا تبقى هي درع الأمان، بشعبها وبجيشها وأمنها وكنيستها وأزهرها وقوتها الناعمة المتمثلة في التدفق الثقافي، سواء تمثل في الأدب أو في الفن. القوى الخارجية التي لا تريد لمصر أن تتجمع لديها عناصر القوة هذه كثيرة، والذين يستجيبون لهذه القوى في الداخل على أشكال مختلفة..

ولكنهم جميعاً لا يعيش «الوطن» في وجدانهم وعقولهم، كما يعيش في عقول وقلوب قوم أسوياء. ومع ذلك فإن هؤلاء مع اتفاقهم في غياب جوهر المواطنة، ليسوا فصيلا واحدا، فمنهم المضلَّل ومنهم المضلِّل. أما المضللِّون، الذين يضللون غيرهم، فتقديري أنهم ليسوا كثيرين. هؤلاء المضللِّون لا أنفي عن بعضهم شبهة الارتباط بالقوى الخارجية وتلقي تعليماتها، بل وأموالها في بعض الأحيان.

وقد يمكن أن نطلق على هؤلاء وصفاً بشعاً لا أحب أن أطلقه على أي مصري، هو وصف الخيانة. هذا إذا ارتكب ذلك الشخص فعل الخراب عامدا متعمدا، وبناء على تحريض من أعداء مصر الخارجيين، وفي مقدمتهم إسرائيل ومن يحمون إسرائيل.

وأكاد أجزم أن هؤلاء قلة، وأن الأجهزة المصرية ترصدهم وتتعقبهم، وأنها ستقدمهم إلى العدالة الناجزة في يوم قريب. وأما الكثرة فهم «المضللَّون»، المفعول بهم، وهؤلاء للأسف ينطلي عليهم أن هناك دينا من الأديان يحرّض على كراهية الآخر، فضلا عن محاربته..

بل وقتله إذا سنحت الظروف، كما يفعل أهل داعش وأنصار بيت الشيطان الذين يسمون أنفسهم «أنصار بيت المقدس» وبيت المقدس منهم براء. هؤلاء المضللون هم الكثرة التي نتوجه إليهم أو توجه إليهم ذلك الطفل المصري الصغير – وكلنا معه – قائلاً «كفاية خراب».

وسأسمح لنفسي هنا أن أستأذن الشاعر الجميل العذب الصديق فاروق جويدة في ختام هذا المقال – كفاية خراب – ببعض أبياته الرائعة من قصيدته الأخيرة، التي نشرت في الأهرام يوم الجمعة السابع من نوفمبر الجاري، بعنوان «الحب في زمن الإرهاب»، يقول فاروق:

أنا لا أصدق أن تكون نهاية الأوطان باسم الدين أشلاء وقتل وانتحار

ثم يقول:

هذا زمـــان القتــــل باســــم الدين

باسم العدل باسم الله الواحد القهار

ثم يقول في آخر قصيدته الرائعة:

«هل من سبيل أن يطلّ الفجر بين ربوعنا

وتعود للأيام ضحكتها وينطلق النهار»

وكأن شاعرنا العذب يقول: هل من سبيل «لوقف الخراب».

نعم هناك سبل عديدة، وقد يكون ذلك موضوعا لمقال قادم بإذن الله.

 

طباعة Email