بيدرو تكسيرا.. رحالة برتغالي عاشق للشرق

بيدرو تكسيرا هو رحالة برتغالي، سافر إلى جاوا بالهند في ثمانينات القرن السادس عشر. قد تكون مهنته الطب ذلك أن كتاباته تظهر إلماما جيدا به، أو ربما صياغة المجوهرات، حيث كان هناك طلب على الصائغين الأوروبيين في البلاطات الملكية للشرق. وأكثر من أي شيء آخر، كان يحب السفر، وقد زار سيلان في عام 1588، عبر مضيق هرمز أواخر تسعينات القرن السادس عشر..

ومسافرا حول العالم ثم عائدا إلى جاوا خلال الفترة 1600 ـ 1603، حيث خلف وراءه شهادات قصيرة عن هذه الرحلة. وعندما شعر بالرغبة في العودة إلى موطنه في عام 1604 وجه أنظاره، ربما متعبا من السفر بالبحر، إلى الطريق البرية الأقصر عبر بلاد الرافدين إلى أوروبا.

شكل وصف تكسيرا اليومي لرحلته أول تقرير مفصل عن عبور هذه الصحراء من قبل أوروبي. وكان دليلا عمليا يمكن الاعتماد عليه من جانب أي شخص يقتفي اثره، وهو ما فعله الكثيرون.

على مدى 3 آلاف سنة، كانت طرق التجارة تعبر الصحراء السورية، وتربط بلاد الرافدين بالبحر الأبيض المتوسط ثقافيا وتجاريا.

وعندما جاء الأوروبيون إلى مسرح الأحداث في القرن السادس عشر، وجدوا هذه الدروب طرقاً مختصرة تربط بين أوروبا ومصالحها في الهند والخليج. وقد ازدهرت القوافل التجارية عبر الصحراء في تلك الفترات من الهدوء النسبي، كما في القرنين الثاني والثالث ميلادي، كما في عز الدولتين الأموية والعباسية بين القرنين الثامن والحادي عشر.

وقد غادر تكسيرا جاوا في 9 فبراير عام 1604. وكانت الرحلة صعوداً في الخليج خالية من الأحداث، وقد وصل إلى البصرة في نهاية يوليو من تلك السنة. وكانت أشهر الصيف تشكل الموسم الأكثر ازدحاما بالنسبة للبصرة، وذلك بسبب الرياح المواتية التي تجلب التجار من الهند والمتعاملين باللؤلؤ من البحرين.

ومن أهم صادرات البصرة في تلك الفترة، كما في يومنا هذا، التمور التي كانت ترسل إلى كل أنحاء الخليج. والجياد أيضا التي كان تصديرها ناجحا إلى بلاد فارس والهند.

ويشير تكسيرا إلى أن البصرة كانت قد تعافت من الحرب التي دارت بين العثمانيين والفرس، وانتهت بوقوعها في أيدي الأتراك. وكان تذمره الرئيسي في البصرة من عدد العقارب ذات الحجم الكبير جدا.

كان يأمل في إكمال رحلته إلى بغداد عن طريق النهر، لكن هذا كان ممكنا في فصل الشتاء فقط، ففي فصل الصيف، يمكن أن تستغرق الرحلة ثلاثة أشهر. ونهر دجلة كان ضيقا جدا وقريبا جدا من القاطنين على جانب النهر، الذين شكلوا خطورة على المسافرين.

لذلك، قرر أن يسافر براً، على الرغم من مواجهته مشكلة إيجاد قافلة للانضمام إليها. ثم وافق "باشي" أو الزعيم في نهاية المطاف على أن يأخذه ومتاعه. اصطحب معه بعض الطعام المكون أساساً من البسكويت والمربى، بالإضافة إلى كمية كبيرة من التمور.

كذلك اخذ معه ثلاث بالات من صبغة النيلة لتغطية تكاليف رحلته، وهذه كانت اكثر أمانا من حمل النقود. تجمعت القافلة في الثاني من سبتمبر من تلك السنة في مساحة مفتوحة عند طرف المدينة، كانت القافلة صغيرة مؤلفة من 150 جملا، و95 حمارا، 12 حصانا، و60 مسلحا للمرافقة.

وكان الجو لا يزال شديد الحرارة، الانفعالات سريعة الاشتعال. والحيوانات كانت في وضع أسوأ، فقد انهارت على الطريق 5 جمال ذبحت وأكلت من قبل القافلة. لكن تكسيرا وأصدقاءه لم يتمكنوا من المشاركة. ومجموعته بالكاد تحملت ظروف الانتقال من بئر إلى أخرى، وكان عليها أن تكون في حالة استنفار دائم خشية من اللصوص.

وعندما لا تخيم المجموعة في الصحراء، كانت تقيم في خان للقوافل، وهذا في معظم الأحيان كان عبارة عن مؤسسة خيرية تم تأسيسها من قبل أحد المسلمين الأثرياء. ويمكن استيعاب ما يصل إلى 400 شخص في خان كبير. كان العشاء يتألف من تمور وزبادي ومياه. وخان القوافل في النجف كان كبيرا..

وهذا الخان فيما مضى كان واسعا جدا، لكنه الآن لم يعد صالحاً للاستراحة. ولقد أمضت المجموعة أربعة أيام في النجف للراحة. ويستذكر تكسيرا جمال المساجد هناك، حيث لم يكن مسموحاً له بالدخول. ثم دعي إلى كربلاء لحضور حفل زفاف..

حيث ترك كرم الضيافة انطباعا طيبا عنده. وكان كل الرجال يأكلون مستخدمين الملاعق، حسبما يذكر. وبعد أسبوع من المراسيم الاحتفالية، انطلقت المجموعة مجددا وتكسيرا وأصدقاؤه لا يزالون متخوفين جدا من اللصوص. وصلوا إلى بغداد بعد خمسة أسابيع من مغادرتهم البصرة. وكانت بغداد اصغر مساحة من البصرة وأقل إثارة للإعجاب، لكنها كانت تضاهي أي مدينة أوروبية في ذلك الوقت.

يقول لنا تكسيرا إن الطعام كان طيب المذاق، لاسيما السمك النهري والقهوة. واحتساء المشروب بجانب المقاهي على طول ضفاف النهر كان للذواقة..

حيث كان فتيان يتصفون بالوسامة، إلى جانب الموسيقى الجميلة مصادر جذب للزبائن. وكان البغداديون يتصفون بشدة النظافة وطيب المعشر والبذخ في الانفاق على لباسهم التقليدي، وكانت المدينة تتمتع بأجواء من الهدوء والصحة. ومن بغداد انتقل إلى حلب عابرا الصحراء من خلال طريق واضحة المعالم، لكنه تجنب ضفاف النهر مجددا.

وكانت اربع قوافل كبيرة للتجار تعبر سنويا بين حلب وبغداد، وما يصل إلى ألوف الحيوانات من الجانبين، ومعظم الأوروبيين كانوا يعبرون بين هاتين المدينتين. وكان التقدم بطيئا جدا على الدوام، لكن تكسيرا أراد أن يعود إلى بلاده. في مجموعته، كان هناك شخصان من البندقية، (وتجار البندقية كانوا لا يزالون في طليعة التجار الأوروبيين في هذا الجزء من العالم).

وقد هوجمت قافلتهم على بعد بضعة أيام فقط خارج حلب، في صبيحة يوم بارد، والضباب الكثيف شكل تغطية للمهاجمين. كان هناك حوالي ثلاثمئة منهم، ومعظم الجمال شردت بعيدا.

ولقد أمضى تكسيرا شهرين في حلب، وذلك لفرحته الكبيرة، ذلك أنه يتذكر أن هذا الجزء كان المفضل في رحلته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات