الخط.. فن لا يغادر ذاكرة الشعوب

شغل الخط على الدوام مكاناً بارزاً في الفن الإسلامي، وقد حظيت الكتابة بالعربية بوضعية استثنائية في المجتمع الإسلامي بحسبانها أداة حفظ القرآن الكريم، ويظهر الخط في كل أشكال الفن الإسلامي؛ من الخزف إلى الفخار إلى التحف المعدنية وصولاً إلى العمارة والزخرفة، وتجلى بصفة خاصة في المصاحف بالطبع.

وبينما ظل أهم استخدام للخط متمثلاً في كتابة المصاحف، فإن عدداً من الاستخدامات الأخرى المميزة والمتسمة بالنضج البالغ، غالباً ما ارتبط تطورها بقدرات الخطاطين بصفة خاصة، وكانت الأوراق التي عكف الخطاطون على الارتقاء بمهاراتهم فيها، تعرف باسم «المسودة» باللغة العربية و«قرلمه» باللغة التركية، وفي الحالتين كان هذا الاصطلاح يعني «التسويد»، في إشارة إلى الميل إلى تغطية أكبر قدر ممكن من الصفحة التي تجري الكتابة عليها.

ولعبت الأساليب الفنية دورا أكثر أهمية من المحتوى في هذه الصفحات، وكان الخطاط يكتب بخط مائل بين السطور، وحتى بالمقلوب، حيث يبادر إلى قلب الصفحة فيما هو عاكف على العمل، ويركز على شكل الخط نفسه، وحظيت صفحات التمرين هذه بقيمة كبيرة، وأقبل الهواة على جمعها. وهناك شكل تميز به الخط العثماني هو «الطغراء»، ويضم اسم السلطان وأبيه واللقب التركي التقليدي «خان»، وفي وقت لاحق أضيفت الكلمتان «المنتصر دوماً».

وتعود أقدم طغراء وصلت إلينا، والتي تضم اسم أورخان غازي، إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر، وهي بسيطة نسبياً في تصميمها، غير أنه بحلول القرن السادس عشر، أصبح تصميم الطغراء أكثر تركيباً على نحو كبير.

وكانت الألبومات التي تحتوي المجموعات والشذرات رائجة في العالم الإسلامي، ووصلت إلى أنضج أشكالها في البلاطات المغولية في الهند، في القرن السابع شعر، وشملت نماذج من الخط والرسم والتصوير.

وتعد الألبومات التي تحتوي الخط فقط نادرة نسبيا، وتشمل مجلدا محفوظا في مكتبة توبقابي سراي تم جمعه للأمير ميرزا تيموري. وخلال العهد العثماني المتأخر أصبح فن الكتابة على هياكل أوراق الشجر رائجا، وكانت الأوراق تضغط أولا وتجفف، بمقدار محدد حتى لا تفقد مرونتها.

وأصبحت هذه الأوراق رائجة بصفة خاصة في صفوف الجماعات الصوفية، والكثير من النماذج التي قدر لها البقاء يمكن العثور عليها في متحف جلال الدين الرومي في قونيه بتركيا، كما أن الكثير من الخطاطين مرتبطون بالجماعات الصوفية، بمن فيهم المبدعون العثمانيون العظام أمثال الشيخ حمد الله وأحمد قره حصاري.

وهناك شكل آخر رائج من أشكال الخط هو «الغبار» أو الكتابة بالغة الدقة، وكان يستخدم أصلا لكتابة الرسائل التي تبعث بالحمام الزاجل، عندما كان يتعين إدراج المعلومات في مساحة بالغة الصغر، ولكنه سرعان ما تطور ليصبح شكلاً فنياً قائماً بذاته، وليستخدم في لفافات للكتابة الطلسمية، وأيضاً لكتابة المصاحف. وقام نساجو الحرير في بلاد الأندلس بإعادة إبداع سطور الكتابة بالعربية، وهي مهمة تقتضي قدراً هائلاً من العناية بتصميم عبارة «المجد لمولانا السلطان»، وقد كررت هذه العبارة في تصميم بديع للوحات هائلة، الأمر الذي أوجد الانطباع بإفريز طويل من الخط.

وإلى جوار الكتابة بتأنق عظيم الشأن، كانت هناك طرق عديدة يمكن بها تكبير الخط من خلال إضافة الزخرفة. وكانت الكلمات نفسها يمكن أن تكتب بالذهب أو بألوان أخرى غير الأسود، كما يمكن تمديد الحروف والكلمات عن طريق تحديد ملامحها الخارجية أو كتابتها على أرضية مميزة.

وكان الخطاطون من بين الفنانين الذين يحظون بأعظم التقدير في المجتمعات الإسلامية، وتستند مكانتهم هذه إلى تميز أعمالهم، ولكنها تعتمد أيضاً على المكانة البارزة التي يتمتع بها من تعلموا الخط على أيديهم، ونتيجة لذلك تطور تقليد أدبي ينظر في إطاره إلى تاريخ الخط باعتباره سلسلة من عمليات الانتقال من المعلمين إلى التلاميذ.

والتدريب على الخط يمكن أن يستغرق سنوات عدة، حيث يتعلم التلميذ أن ينسخ بدقة النماذج التي يقدمها له المعلم، ومن هنا فإن تعلم الخط كان مماثلاً للتدريب في حرف أخرى، وكان الخطاط الذي يحرز تقدماً أكبر يبدع المخطوطات الأكثر تألقاً، وما يبدعه يعد شيئاً ثميناً وباهظ الكلفة. وقد درج السلاطين والملوك على تكليف الخطاطين بأعمال تودع خصيصاً لهم، وما زالت هذه في الغالب هي الطريقة التي يبدع بها الخطاطون في هذه الأيام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات