يشغل البحث عن رؤية حيزاً كبيراً من الفضاء العام، وحيزاً أكبر من المهتمين بالشأن العام من الكتاب والمثقفين والنشطاء، وتكاد تكون هذه المفردة أي "الرؤية" من أكثر المفردات تداولاً في حياتنا السياسية والثقافية، منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 وموجتها الثانية في 30 يونيو عام 2013، ولا يخلو حديث أو حوار ثنائي أو جماعي من تداول كلمة الرؤية والتساؤل حول غيابها وضرورتها.
وهذا البحث عن الرؤية مشروع ومنطقي لأكثر من سبب أول هذه الأسباب هو غياب هذه الرؤية في الفترة الطويلة السابقة، حيث كان جدول الأعمال يتحدد يوماً بيوم دون تصور مسبق، وثاني هذه الأسباب هو الحرص علي تجنب التخبط في الأداء وتحاشي المفاجآت والخوف من المجهول، نظراً للاعتقاد في أن وجود هذه الرؤية يضمن ضبط الأداء وتجنب الانتكاس والارتداد، أما ثالث هذه الأسباب فهو توفير الطمأنينة والأمان لطبيعة المسار الذي تسير فيه مجريات الأمور باعتبار أن الرؤية تحدد الاتجاه والمصير والمآل الذي تتجه إليه مجريات الواقع.
ورغم مشروعية ووجاهة هذه الأسباب بل وضرورتها، فإن الأداء والممارسة لا يتوقفان فحسب علي ضرورة توفير الرؤية، وإنما علي الضرورات العملية والأهداف العامة التي تنتجها ظروف المرحلة، والتي تحظي بتوافق وطني عام، من ناحية أخري فإن الممارسة في الواقع العملي تسبق الرؤية في العديد من الأحوال، كما أن هذه الممارسة يمكن اعتبارها مستوي في تحديد الرؤية التي تستند عليها، ولكنه مستوي مضمر بحاجة لمن يبحث عنه في دلالات وأعماق هذه الممارسة العملية.
يحفل التاريخ الحديث لمصر بالعديد من الأمثلة علي ذلك، فمحمد علي والذي نجمع علي أنه باني مصر الحديثة، لم يمتلك هذه الرؤية مسبقاً للانخراط في بناء الدولة الحديثة والانفتاح علي المضارة الغربية، بل كان ما يملكه هو الحدس التاريخي بأن اللحظة في مصر وعقب خروج الحملة الفرنسية وفشلها وتوازنات القوي آنذاك، كانت تسمح له بالتطلع إلي حكم مصر و السير بها في اتجاه مختلف عن السياق الذي كانت تسير فيه.
نجح محمد علي في مهمته دون انتظار لمثل هذه الرؤية، بل تتابعت فصول بلورة هذه الرؤية من خلال أعمال رفاعة رافع الطهطاوي وغيره، والتي اتخذت مسمي النهضة والحداثة والتحديث والتوفيق بين التقليد والتجديد بين القديم والجديد بين الحداثة وما قبلها، ووضعت هذه الرؤية أعمال وانجازات محمد علي المادية والاقتصادية والتعليمية والسياسية في إطار فكري وثقافي مثل الأساس النظري لمحاولة محمد علي وحلفائه من بعده في بناء دولة حديثة وعصرية.
استند محمد علي إلي الأهداف العامة التي أنتجتها هذه الحقبة والتي تطلع الشعب إلي تحقيقها، وتمثلت في القضاء علي حكم المماليك المتخلف، والتخلص من السيطرة الأجنبية الفرنسية وإقامة حكم جديد عادل، وهي الأهداف التي مثلت دافعاً ومحركاً لمشروع محمد علي واستمراريته وقبوله شعبياً.
وعلي غرار محمد علي لم يكن عبد الناصر ورفاقه في تنظيم الضباط الأحرار يملكون رؤية واضحة ومحددة ومسبقة، لما سوف يقومون به، وذلك باستثناء المبادئ الستة التي أعلنت آنذاك، وهي بحد ذاتها لا تمثل رؤية واضحة وعميقة في هذا الوقت، بل مثلت مرشدا للعمل استند إلي أهداف ومطالب الحركة الوطنية المصرية في القضاء علي الاستعمار والجلاء وإقامة مجتمع يتميز بالعدل في توزيع الثروة الوطنية والتخلص من الحياة الحزبية الفاسدة قبل الثورة..
هذه الأهداف العامة بالإضافة إلي حدس عبد الناصر وإدراكه لطبيعة اللحظة التاريخية، هي التي وجهت الثورة في المسار الذي انخرطت فيه، وبالممارسة وعبر تحقيق الأهداف الوطنية اكتشف عبد الناصر ورفاقه أبعاد الرؤية والمشروع الوطني الذي بدأوا في تحقيقه، وذلك بتطور الأداء والممارسة نحو العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني ودعم حركات التحرر الوطني العالمية وسياسة الحياد الإيجابي.
ونتيجة هذه الممارسات والانجازات تبلور الميثاق الوطني في بداية الستينيات باعتباره الرؤية الرئيسية لتطور مصر السياسي والاقتصادي والثقافي.
وإذا صح ذلك في الماضي فلماذا لا يصح في الوقت الحاضر؟ رغم تغير الظروف والزعامات وملابسات العصر؟ فمن الممكن أن نلمس في الأداء الحالي للنظام السياسي في مصر تغليباً للبعد التنموي باعتباره حاجة ملحة وأساسية يسبق الأوجه الأخرى لتطورات الوضع في مصر..
ويمكن القول أن غياب الرؤية في الوقت الحالي لا يبرر الانتظار حتي تتبلور هذه الرؤية بل يتطلب العمل والإنجاز علي ضوء الأهداف التي تمثل القاسم المشترك الأعظم في حياة المصريين والدولة المصرية، وأن الانخراط في الإنجاز والمشروعات الوطنية هو بذاته ما يوفر الأساسي الموضوعي لاستنباط هذه الرؤية وتحديد أبعادها ومراميها في المدي المنظور والمتوسط.
وإذا كان توفر الرؤية يتضمن بعداً إيجابياً لتجنب المفاجآت وتحاشي السلبيات، فإنه ينطوي كذلك علي افتراض إخضاع الواقع لوصفة نظرية جاهزة قد لا تحيط بتعقيدات هذا الواقع ومشكلاته، إلا إذا افترضنا ضرورة وجود نوع من الجدل بين الرؤية والواقع بحيث يمكن تعديلها وفق مجريات الواقع وتطوراته.
إن مشكلة البحث عن رؤية لمواجهة مشكلاتنا وواقعنا مثلها في ذلك كمثل تلك القائمة الطويلة من القضايا التي تشغل وجودنا والتي تتميز بطابعها الممتد والتاريخي والمستمر، والذي يبدو أن لا حل لها إلا عبر الانخراط في العمل والإنتاج والبحث، مثل قضية الهوية أو قضية الأصالة والمعاصرة والتراث والتجديد والتقليدية والحداثة الخ..
تلك الثنائيات التي يحفل بها تاريخنا، فجميع هذه القضايا رغم أنها مبحوثة نظرياً وقابلة للبحث إلا أن معالجتها وحلولها لا تتأتي إلا عبر الاندماج في الواقع والانخراط في تغييره ومعالجة مشكلاته، وفي غمار هذا الانخراط والعمل سنكتشف طبيعة الحلول وأبعادها بل وتفاصيلها وتتوفر لنا حينئذ الرؤية التي نبحث عنها.
مشكلة البحث عن رؤية تتمثل في حصرها بين حدين متناقضين إما التهويل من غياب هذه الرؤية أو التهوين من غيابها، والحال أن حل هذه المشكلة يكمن في الجمع بين الرؤية والممارسة والواقع، أي الانخراط في العمل والإنتاج لتحقيق الأهداف الظاهرة والملحة وفي نفس الوقت استمرار البحث عن الرؤية دون تهويل أو تهوين.