دخلت السيدة هيلاري كلينتون وزير الخارجية الأميركية السابقة والمرشحة المحتملة لانتخابات الرئاسة القادمة على الخط في قضية الإرهاب، وانضمت إلى قائمة «المبشرين» بالأميركيين بأن الحرب على داعش ستكون طويلة، بل وطويلة جداً كما قالت كلينتون التي بدت وكأنها تقول إنها هي التي ستنهي المعركة حين تخلف أوباما، وتقوم بتصحيح أخطائه التي وضعت أميركا والعالم في هذا الموقف.

بعيداً عن الجدل الدائر داخل أميركا (وبعضه لأسباب انتخابية) حول أخطاء الإدارة الأميركية، بل ومسؤوليتها عن ظهور «داعش» وسياستها الخاطئة تجاه جماعات الإرهاب.

وبصرف النظر عما إذا كان الأمر هو فشل أجهزة المخابرات الأميركية في تقدير خطورة «داعش» كما يقول الرئيس الأميركي أوباما، أو أن الأمر كله كان جزءاً من مخطط أفلتت خيوطه من صانعيه، فكانت هذه الأوضاع التي انقلب فيه السحر علي الساحر، لأن أميركا لم تتعلم من الدروس السابقة في أفغانستان، ولا يبدو – حتى الآن- أنها تريد أن تتعلم.

ما نراه هو موقف أميركي مرتبك، وحقائق تقول إن أوباما أعلن الحرب علي الإرهاب (أو على داعش بالتحديد) دون أن تكون لديه استراتيجية للتحرك، ودون أن يقدر احتياجات المعركة، ودون أن يقوم لحلفائه إلى أين هو ذاهب، أو ما هي الأهداف الحقيقية التي يسعى لها، ويريد من العالم أن يسعى معه ؟!

بعد أسابيع من إعلان أوباما للحرب، تبدو الإدارة الأميركية غير متعجلة على شيء، وغير مهتمه إلا بالتأكيد على أن الحرب طويلة، وبأنها لن ترسل جنودها على الأرض. ويأتي مبعوث أوباما لقيادة التحالف ليبدأ في تنسيق الجهود وتحديد المهام بين الدول المشاركة في التحالف.

وبينما تتمدد قوات «داعش» وتلتقط الإشارة الأميركية بأن الاستعداد لتحرير «الموصل» سوف يستغرق عاماً كاملاً، فتبادر بحصار «عين العرب» وتتقدم نحو غيرها من المدن في سوريا والعراق.

تخرج علينا الإدارة الأميركية بنظريتها «المطمئنة» بأنها ليست مهتمة بسقوط المدن في يد الإرهاب، لأن هدفها هو تدمير البنية الأساسية لداعش، وقطع مصادر تمويلها وإمدادها بالسلاح والمقاتلين. أما المدن فلها رب يحميها حتى تفرغ أميركا من مهمتها التي ستطول لسنوات طويلة.

الأمر بالطبع لا يتوقف عند «عين العرب» التي أشعلت الموقف في تركيا ووضعتها على أبواب اضطرابات طائفية لا أحد يعلم إلى أين تنتهي بالدولة التي كانت تحلم ببعث الخلافة من جديد.

الأمر قد يفسر سر الصمت الأميركي على سقوط صنعاء وعلى سقوط مدن ليبيا واحدة بعد الأخرى في يد عصابات الإرهاب التي أعلن بعضها من مدينة «درنة» مبايعته لـ«داعش»، ليقدم دليلاً جديداً على مدى «فاعلية» الاستراتيجية الأميركية التي طبقتها أميركا في ليبيا، وتحاول تطبيقها الآن في سوريا والعراق وهي إستراتيجية «القيادة من الخلف».. تلك الاستراتيجية التي تركت ليبيا نهباً لعصابات الإرهاب، والتي خلقت « داعش» وأخواتها تعيث في الأرض العربية فساداً.

كم هو مؤسف أن نرى أنفسنا في هذا الوضع وقد كنا نحتفل قبل أيام بالذكرى الواحدة والأربعين لنصر أكتوبر العظيم، والذي كان جديراً بأن يضعنا على الطريق الصحيح لبناء القوة العربية القادرة على مواجهة التحديات وبناء المستقبل.

كان أكتوبر العظيم هو حصيلة العمل العربي القومي على مدى عشرين عاماً بعد ثورة يوليو التي انحازت - بقيادة عبد الناصر- للعروبة وقادت مسيرة التحرير والاستقلال في الوطن العربي.

والتي لم تفلح هزيمة يونيو المريرة في كسر إرادتها، بل إنها على العكس استنفرت في الأمة كل عناصر الوحدة والمقاومة، ليكون تحالف أكتوبر بين دول المواجهة ودول المساندة، وليكون البترول العربي سلاحاً في المعركة مع باقي الأسلحة العسكرية والسياسية. ولتكون الجبهة ملتقى للجيوش العربية التي صنعت النصر على الساحة المصرية والسورية.

الآن.. تقول الإدارة الأميركية إنها تحارب الإرهاب الذي صنعته أو دعمته. وتقول إن حربها ستكون طويلة، وإن سقوط المدن العربية في قبضة عصابات الإرهاب ليس في أولوياتها، الوضع بالنسبة لنا يختلف.

إذا رضينا بهذا المنطق، فسوف يصبح سقوط «صنعاء» أمراً طبيعياً، وسوف ننسى مدينة كان اسمها «طرابلس» وكانت عاصمة لدولة اسمها ليبيا، وسوف يكون سقوط بغداد أو دمشق مرهوناً بقوى الخارج، وسوف يكون علينا أن ننتظر انتظاراً لداعش أخرى يتم إعدادها لأداء نفس المهمة التي بدأها «الإخوان».

ولعل ذكرى أكتوبر تعيدنا إلى فهم أسباب النصر وعوامل الهزيمة، ولعلنا نستوعب الدرس هذه المرة، ولعلنا ندرك أن تحالف أكتوبر من جديد هو الحل، حقيقة أدركتها دول مثل مصر والإمارات والسعودية، ولعل الجميع يدركونها قبل أن تلقى عواصم عربية أخرى مصير صنعاء أو طرابلس !!