بصمات حضارية عربية في إيطاليا

يذهب بعض المؤرخين إلى القول إن العرب ظهروا فجأة في عالم الحضارة نتيجة لظهور الإسلام، غير أن أولئك الذين يحترمون الحقائق التاريخية التي وصلت إلينا يعرفون بأن العرب لم يولدوا من فراغ، فقد كانت لهم حضاراتهم التي تجسدت في دول عربية عدة قبل الإسلام.

والرؤية القائلة إن العرب قد برزوا فجأة في تاريخ الحضارات، يجافيها الصواب تماما. كيف يمكن لأي شخص أن يتصور الظهور المفاجئ لأي أمة دون وجود تاريخ من الوقائع والأحداث وراءها؟

إن التاريخ، كما نعلم جميعا، يقوم عادة على العديد من الوثائق المكتوبة، وعندما لا يجد المؤرخون مثل هذه الوثائق يفترضون عدم حدوث شيء. ومن الجلي أن العرب قد وجدوا كبناة حضارة قبل أن يشقوا طريقهم إلى رحاب تاريخ العالم، ورغم وجود وثائق مكتوبة قليلة، فقد كانت للعرب ثقافة مزدهرة، وهناك مؤشرات لحضارة سابقة على الإسلام تركوها وراءهم، في أطلال اليمن وتدمر وغيرهما من الأماكن.

ولدى زيارة بعض الأماكن في اليمن، فإن المرء يتم تذكيره بأن الثقافة السابقة على الإسلام لم تكن تقتصر على الشعر والأدب والفن الشعبي، فهناك أيضا العديد من المنتجات المادية للحياة المتحضرة التي تشير إلى عبقرية حقيقية في العمارة، والتي لا بد أن المؤرخين المحليين قد كتبوا عنها. وتشير نتائج الأبحاث كذلك إلى العديد من التطورات في ميادين الدين والتجارة، والكثير منها يتضمن بعض الأفكار الحديثة.

ومن الواضح أن العرب لم يدخلوا رحاب التاريخ فجأة من دون أن يعرفوا أي حضارة أخرى، فالحقيقة هي أنهم وجدوا فرصتهم التاريخية مع ظهور الإسلام الذي بادروا بمزيد من اللهفة إلى اعتناقه. ومن الجدير بالذكر أن الفلسفة الإسلامية العربية تعد مهمة بسبب حبها للعلم، الأمر الذي يمنحها وضعية فريدة بين فلسفات العالم.

علينا أن نعرب عن عظيم امتنانا للعرب، لأنهم حفظوا لنا جانبا كبيرا من الأعمال اليونانية القديمة المكتوبة، وحفظوها من ضياع مؤكد. وقد ساعدتنا ترجماتهم للفلسفة اليونانية القديمة، في دراساتنا وفي تطويرنا للفكر الإنساني. ولم يتوقف العرب عند ترجمة مثل هذ الأعمال، ولكنهم فسروا أيضا النصوص وأضافوا مساهمات مهمة إليها.

وربما كان من المهم أن نتذكر أن معظم الفلاسفة العرب في العهود القديمة، كانت لهم وجهات نظرهم المميزة. فمن الواضح أن فلسفة العرب والمسلمين حاولت تجاوز التناقض الذي نلمسه في الفلسفة اليونانية القديمة بين الدين والفلسفة.

وقد ارتكب المستشرقون الذين اعترفوا بالعرب ودينهم الجديد، خطأ على الصعيد العلمي، لأنه ما من إنسان يميز بين دين وآخر، والإنسان العربي كان يتمتع بذكاء حاد وبعقلية نافذة، وكان قادرا على استيعاب منتجات الحضارات الأخرى وتغييرها بحسب احتياجاته، وهكذا نجد الذهن العربي يقود العالم في الجبر وعلم المناظير. والمواقف الفكرية والسياسية للتاريخ العربي، تعلي من شأن التسامح الديني والفكري.

إننا مدينون للعرب بصقل وإدخال أساليب جديدة للري وزراعة النباتات التي لم تكن معروفة من قبل في إيطاليا، كالقطن على سبيل المثال، وهذا كله يؤكد خبرة العرب في المجال الزراعي. وخلال فتح صقلية، تمكن العرب من إبداع مناخ ثقافي بالغ الثراء، وضعهم في مكان أعلى كثيرا من المجتمع الذي كان موجودا في الجزيرة.

وقد وجد الحكام المحليون أنفسهم مضطرين للاستعانة بالعلماء العرب كمستشارين في الشؤون العامة، ومنهم العلامة الكبير الإدريسي الذي قدم نموذجا بارزا للتأثر الفكري والحضاري الذي تمتع به العرب، وشغل منصب كبير العلماء في بلاط الملك النورماندي الذي اعتاد أن يكتب له تقارير باللغة العربية، وهذا يوضح مدى اتساع نطاق انتشار اللغة العربية في غضون سنوات قلائل.

وتعود الصلة بين إيطاليا والعرب إلى العصر النورماندي، . وقد بدأت الفتوحات العربية في إيطاليا مطلع القرن الثامن الميلادي، وعندما دخل العرب الجزء الجنوبي من سردينيا مكثوا هناك 150 عاما قبل أن يدخلوا صقلية، وحتى اليوم فإن تأثير العرب في صقلية يمكن الشعور به في الكثير من الجوانب.

وعلى سبيل المثال في اللهجات المختلفة التي تستعمل كلمات عربية، وكذلك في أمور من قبيل الطعام، وبالطبع في العمارة الرائعة التي تعود للزمن العربي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات