ولد الفنان التشكيلي ديفيد روبرتس في ستوكبريدج، قرب أدنبره في عام 1796. كان والده صانع أحذية فقيراً. وقد تلقى ديفيد تعليماً محدوداً، إذ كان من المزمع أن ينضم إلى والده كمساعد له في مهنته. لكن الفتى أظهر في وقت مبكر موهبة في الرسم.

وأولى محاولاته كانت رسومات تخطيطية لأسود ونمور في سيرك متنقل، والتي رسمها بالفحم على جدران مطبخ والدته المطلية بالأبيض. لم ير والده شيئاً مهماً يسترعي الاهتمام فيها، لكن والدته رأت ما ستحملها له في المستقبل، وبناءً على نصيحة جار حكيم، أرسل ديفيد الشاب للتدريب على يد مبيض ومزخرف منازل يدعى بيغو.

كانت تلك السنوات السبع مرهقة جداً بالنسبة لديفيد، فبيغو، على ما يبدو، كان من الصنف البخيل الوضيع، لكن مع نهاية مشواره معه، كان ديفيد روبرتس قد تعلم الكثير، وعاد إلى أدنبره.

وهناك في عام 1822 نراه ضمن طاقم الموظفين الدائمين في مسرح «رويال».

وقد تمكن من تطوير اهتمام آخر موازٍ سوف يدوم معه حتى وفاته، ويتمثل في إبداع رسومات من الهندسة المعمارية التي كانت أدنبره تزخر بها، كان روبرتس، على غرابة ما يبدو عليه الموضوع، قد اكتسب المسارين اللذين سيقودانه إلى الشهرة، رسم المشاهد الطبيعية والرسم المعماري.

وقد انتقل ديفيد روبرتس سريعاً إلى لندن، حيث حصل على وظيفة كرسام في حديقة كوفنت. وفي لندن انضم إلى جمعية الرسامين البريطانيين، وسرعان ما بدأ يعرض أعماله في أفضل قاعات العرض، ومن ثم في «الأكاديمية الملكية» نفسها.

سافر إلى إسبانيا وفرنسا وبلجيكا، وجلب معه مئات من الرسومات التخطيطية التي منحته الشهرة على الفور. وملكة بريطانيا نفسها انتدبته لتوفير رسومات تخطيطية صغيرة كهدايا لأعياد الميلاد ومناسبات عيد الميلاد لزوجها المعبود.

وروبرتس الذي ترعرع على قراءة الإنجيل منذ صغره، شعر في عام 1842 بأنه يستطيع الانطلاق في زيارة للأراضي المقدسة.

وزار مصر أيضاً. استغرقت الرحلة بأكملها أحد عشر شهراً، وشهرة روبرتس الآن تنهض على هذا الجزء من أعماله.

وبعد رحلته إلى مصر، التي أخذته كما تأخذنا هذه الأيام جنوباً حتى أبو سنبل، وصل إلى سيناء ومن ثم بترا، اللتين جلب منهما سجلات ناصعة ببلاغتها، وفي النهاية وجد نفسه في الأراضي المقدسة.

وعندما يفكر معظمنا بالأراضي المقدسة أو بترا، فإننا نميل إلى النظر إليهما من خلال عيني إدوراد لير، الذي زارهما لأول مرة بعد مرور عشرين عاماً على زيارة روبرتس.

بعد الأراضي المقدسة، غامر روبرتس بالذهاب إلى سوريا.

ولم يتمكن من زيارة دمشق بسبب الاضطرابات السياسية، لكنه تمكن من الوصول إلى بعلبك التي أبدع عدداً من الرسومات التخطيطية لمعابدها، وعندما وصل إلى لندن جاملته الملكة بشراء إحدى رسوماته عن بعلبك.

ودفعت له 630 جنيهاً استرلينياً، وكان هذا أعلى مبلغ يتقاضاه حتى ذلك الحين مقابل صورة.

ولقد خطا روبرتس بعد ذلك خطوات مهمة، مستعيداً النجاح الذي حققه من صوره الفرنسية والإسبانية، فقرر إنتاج سلسلة من المطبوعات الحجرية والمعدنية لرسوماته التخطيطية عن المشرق العربي.

ولحسن الحظ، فإننا نملك تفاصيل تلك المبادلة. فالناشر الذي تقدم إليه أولاً رفض العقد على أساس أن هذا سيورطه بخسائر مالية.

 وفي نهاية المطاف، وجد روبرتس راعياً باسم «السادة داي أند صن» الذين كانوا يعملون في الطباعة على الحجر والمعدن لصالح الملكة.

الآن يجري تجميع أوراقه المطوية بتلهف وحماس، كما يجري اقتناء لوحاته الفردية باعتبارها كنوزاً نادرة.

وروبرتس كان، ولا يزال، المترجم المثالي للماضي والحاضر. ولا أحد مهد الطريق لدراما الأراضي المقدسة العظيمة والأبدية بهذا الوضوح والصدق والعاطفة، كما فعل هو.