أ‌. د. محمد عبد الله المطوع

محمد عبد الله بيننا للأبد

ت + ت - الحجم الطبيعي

حينما تشد الرحال في فصل الصيف، وبعد عيد الفطر هذا العام، يحاول معظم الناس أن يبتعدوا عن نشرات الأخبار، وخاصة المرئية منها وربما المقروءة أيضاً، فهي بلا شك موجعة للعين والقلب وحتى العقل، محاولين الاستمتاع بالأجواء المطيرة والباردة في العديد من الدول، على الرغم من الصيف الذي لا يرحم الطير ولا الزرع.

ويبدو أننا لا ندرك أن الطاعون الحديث الخبيث، قد كثف نشاطه بين الأحباب والمبدعين والأصدقاء، وهو ما لا نحب ذكر أنه السرطان القاتل.

ولعل تزايد الإصابة به في المنطقة أصبح سمة تؤرق الجميع، سواء الأطفال أو الشباب وكبار السن.

بالأمس القريب ذهب جسد ذلك الفنان المبدع محمد عبد الله آل علي، بعدما صارع المرض من دون شكوى أو أنين، حتى لأقرب الناس إليه من الأهل والأصدقاء والمحبين، وذلك في أحد مستشفيات ألمانيا.

إنه الفنان الذي أبدع خلال ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمان، في خدمة المشهد الثقافي والمسرحي والإعلامي.. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، أنه كان من مؤسسي مجلة «الرولة» ومجلة «الرافد»، اللتين ساهمتا في إلقاء الضوء على الحياة الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

كان كالفراشة التي تنتقل من زهرة إلى زهرة ومن وردة إلى أخرى، تنشر بينهما لقاح الحياة والاستمرارية، وتؤكد على أن الحياة بمعناها الإيجابي المبدع، هي العطاء للآخرين.

والجيل الذي واكب تطور المسرح الإماراتي، لا ينسى أعمالاً مسرحية مثل «دياية طيروها»، وهو بلا شك عنوان يثير العديد من التساؤلات وعلامات التعجب، فكيف تطير الدجاجة؟! ومسرحية «السلطان»، وحكاية «الرجل الذي صار كلباً».

ولعل هذه العناوين تجعل الإنسان يحرص على مشاهدة هذه الأعمال المسرحية ويصر على متابعتها، ولا عجب أنها فازت في العديد من مهرجانات المسرح العربي، في العديد من الدول والدورات.

وبالإضافة إلى ذلك، كانت للإنسان المثقف والفنان المبدع محمد عبد الله، مشاركاته في العديد من البرامج الثقافية التلفزيونية، في كل من تلفزيون الشارقة وتلفزيون أبو ظبي، ولا ننسى أنه حاول أن يستقطب الشباب الجدد، ويشجع الدماء الجديدة التي تكمل مسيرة من قبلهم، برؤية جديدة تواكب تطورات وتغيرات المجتمع، سواء الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية وحتى السياسية.

وفي هذا الجانب، لا ننسى استفادة الحركة المسرحية في الإمارات من خبرات الإخوة العرب ممن ساهموا في تطوير المسرح، أمثال زكي طليمات، صقر الرشود، قاسم محمد، عبد الإله عبد القادر... إلخ.

إن على المهتمين بالشأن الثقافي أن يعطوا هذا الإنسان حقه، في إبراز شخصيته التي أعطت زهرة شبابها لإثراء المسرح والفنون الأخرى، على مدى سنوات طويلة وعلى حساب صحته وحياته الخاصة.

في الحقيقة، لقد كان الفنان محمد عبد الله يدرك أن حياة الإنسان قصيرة، وأن عليه أن يعمل بكل جدٍ واجتهاد لوضع لبنة من لبنات البناء في ثقافة المجتمع، فلم يكن يكتفي بدور الإداري في المؤسسات، بل كان نحلة نشطة تجعل من يتابعه في حيرة، فهو في كل مكان موجود، سواء تحت أشعة الشمس أو في ضوء القمر.. لا تفارق وجهه الابتسامة ولا يمل من التواضع للجميع، ومن مختلف الجنسيات والاتجاهات الفكرية السائدة على الساحة الثقافية الإماراتية.

لقد تعب الجسد من هذه الحياة، وقرر الرحيل إلى مثواه الأخير وهو القبر، إلا أن إبداع الفنان محمد عبد الله، وإنسانيته وعذوبة أخلاقه، وذكراه الطيبة، ستظل بيننا على مدى الزمن.

طباعة Email