حين سمعت أن بعثة من منظمة »هيومان رايتس ووتش« الأميركية قادمة إلى القاهرة، تصورت أنها وجدت الطريق لكي تذهب إلى غزة وتحقق في الجرائم البشعة التي ارتكبتها إسرائيل، والتي لم تستطع قبل ذلك التحقيق فيها بسبب رفض إسرائيل لأي وجود دولي يسجل جرائمها النازية!
وأيضاً، تصورت أن وفد المنظمة قادم للتحقيق في جرائم عصابة »الإخوان« وحلفائهم، التي امتدت من قتل جنود الجيش والشرطة إلى اغتيال المسؤولين عن الأمن وتهديد عائلاتهم، إلى محاولة تفجير قطارات الركاب والمترو، ووضع القنابل أمام المدارس والمستشفيات، ونسف أبراج الكهرباء ومحاولة تسميم مياه الشرب، وغيرها من الجرائم التي لا يمكن توصيفها إلا بأنها جرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى أنها محاولة لإحراق دولة بحجم مصر.
كنت أظن ذلك، لكن المفاجأة كانت أن البعثة لا تهتم بقتل ألفين من الموطنين العرب الفلسطينيين، وإصابة أكثر من عشرة آلاف، وتدمير آلاف المنازل، وتشريد مئات الآلاف من أبناء شعبنا العربي الفلسطيني في غزة، لأن ما يتعلق بجرائم إسرائيل هو عندها فوق القانون، ولا يخضع لأي حساب! وكانت المفاجأة أن كل ما يجري من جرائم إرهابية من الإخوان وحلفائهم داخل مصر، لا محل له في اهتمام المنظمة الدولية!
وكذلك كل الأخطار التي تتعرض لها دولة بحجم مصر، سواء من جانب إرهاب العصابات الإخوانية داخل مصر، أو التنظيمات الإرهابية التي تهدد حدود مصر، من الغرب حيث ليبيا المستباحة، أو من الشرق حيث عصابات الإرهاب في سيناء ونازية الكيان الصهيوني وجرائمه في غزة! المفاجأة التي استدعت منعهم من دخول مصر، أنهم كانوا قادمين لإعلان تقرير مشبوه عن أحداث ميداني »رابعة« و»النهضة« في توقيت محسوب بلا شك، حيث كانوا قادمين في الذكرى الأولى لهذه الموقعة المؤسفة، ووسط تحريض إخواني يهدد بحرق مصر.
كانوا قادمين لكي ينشروا تقريرهم الذي لا علاقة له بحقوق الإنسان، ولا انتماء له إلا لمن يستخدمون هذه المنظمة لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية! يتناسى التقرير أن الاعتصام »السلمي جداً« بدأ قبل يونيو، بل بدأ لمواجهتها، حيث رأينا على منصة رابعة مجموعة من القتلة الذين يمتد تاريخهم في الإرهاب إلى السبعينات من القرن الماضي، يوجهون التهديدات لشعب مصر بأنهم »سيسحقون« من يخرج في 30 يونيو، وبأنهم »يرون رؤوساً قد أينعت وحان قطافها«.. هكذا تبارى أمثال طارق الزمر وعاصم عبد الماجد وغيرهما من الإرهابيين، مع الزعماء البارزين لجماعة الإخوان، يعلنون تحالف القتلة في مواجهة شعب مصر!
ويتغاضى التقرير عن حقيقة تحول الميدانين بعد ثورة 30 يونيو، إلى بؤرتين حقيقيتين للإرهاب ضد الدولة والشعب. وكيف كانت المظاهرات »السلمية جداً« تحرج منهما لتمارس قتل الناس وحرق المنشآت وتخريب المؤسسات، ثم تعود إلى مقرها الآمن في »رابعة« و»النهضة«، لتستمع إلى أمثال البلتاجي وهو يعلن بكل صراحة أن الإرهاب الذي كان يعصف يومها بسيناء، لن يتوقف إلا إذا عاد المعزول مرسي للحكم!
ولا يرصد التقرير حجم الأموال الهائلة التي كانت تنفق ببذخ من جانب الإخوان، لإبقاء المخدوعين أو المحتاجين في الميدانين، ولا حجم الضغوط الدولية التي مورست على مصر باستغلال هذه البؤر الإجرامية، ولا حجم التحريض الذي كانت تقوم به جهات أجنبية، وقنوات تلفزيونية وإعلام مدفوع الأجر ما زال يقوم بدوره في محاولة الإساءة لمصر حتى الآن. ولا يتحدث التقرير عن الجهود التي بذلتها السلطات في مصر، لإقناع الإخوان وحلفائهم بفض الاعتصام وحقن الدماء والعودة لشرعية القانون. محاولات محلية قام بها سياسيون ورجال دين، ووساطات عربية وخارجية قبلت بها حكومة مصر حقناً للدماء.
وكيف ووجهت كل هذه المحاولات بإصرار »الإخوان« على تحدي الدولة، والرهان الواهم على تدخل أجنبي يعيد لهم السلطة (!) أو على استجداء الدم طلباً لمظلومية ظلوا يخدعون الناس بها سنوات طويلة، ويبررون بها إرهابهم الذي لم ينقطع منذ نشأة الجماعة، والذي كان الحاضنة التي نمت فيها كل حركات التطرف والإرهاب التي تدعي الانتساب للإسلام الحنيف حتى الآن.
تقرير »هيومان رايتس« بالصورة المنحازة التي ظهر بها، وبالتوقيت المشبوه الذي تم إعلانه فيه، يعني أولاً، أن الرهان الأميركي على الإخوان لم يكن صدفة، ومحاولة استغلالهم والجماعات المشابهة لهم كورقة في مؤامرة إشاعة الفوضى في المنطقة العربية، ما زالت مستمرة. ويعني، ثانياً، أن استخدام مؤسسة مثل »هيومان رايتس« لتنفيذ سياسات دول مثل أميركا، لا يفقد هذه المؤسسات مصداقيتها فقط، وإنما يضفي الكثير من الشكوك الحقيقية على مؤسسات أجنبية كثيرة، تحاول اختراق المجتمعات العربية تحت لافتات حقوق الإنسان، لكي تنفذ أجندات غير وطنية.
وهو أمر تعاني منه مؤسسات حقوقية مصرية وعربية جادة وبعيدة عن كل الشبهات تؤدي رسالتها بمهنية وبوطنية لا شك فيها.
وعلينا هنا ألا نخلط الأوراق، بل ندعم بكل قوة مؤسساتنا الوطنية والقومية التي تناضل في ظروف صعبة وتؤدي مهمتها بكل أمانة. ويبقى أن كل نقطة دم تراق من مواطن عربي دون وجه حق هي حرام، وألا فرق هنا بين مواطن وآخر.
والحساب على أي خطأ أمر واجب، لكن المتاجرة بالدم كما يفعل الإخوان ليبرروا إرهابهم، أمر مفضوح، والتلاعب بحقوق الإنسان لأهداف سياسية كما تفعل »هيومان رايتس«، هو جريمة أخلاقية.
واللقاء بينهما يذكرنا بما سمعناه يوماً على منصة رابعة، حين وقف أحد زعمائهم يهتف بأن البوارج الأميركية قادمة لغزو مصر وإعادة الإخوان للحكم، طالباً من المخدوعين »التكبير« والهتاف بحمد الله وشكر أميركا.. وبالوقاحة نفسها يحتفلون بتقرير المنظمة المشبوهة، ويهتفون: هيومان رايتس قادمة.. »تكبيير«!