كان السقوط حتمياً.. استطاع نوري المالكي بعد ثماني سنوات عجاف في الحكم، أن يوحد الجميع داخل العراق وخارجه في المطالبة برحيله.

كان الكل - إلا هو - يرى حجم الكارثة التي أوصل إليها العراق، بينما كان الرجل لا يشغله إلا أن يستمر في الحكم وأن يستحوذ على السلطة، حتى لو اقتصر الأمر في النهاية على ألا تتجاوز سلطاته مقر رئاسة الحكومة التي لم تعد تحكم شيئاً في العراق. جاء المالكي إلى الحكم بتوافق أميركي - إيراني، ومع دستور صاغه الأميركيون لكي يكرس الطائفية.

ولم يكذب الرجل خبراً.. استحوذ على كل السلطات، وحول الجيش وأجهزة الأمن إلى ميليشيات خاصة تخضع له فقط، وأعلن الحرب على الجميع؛ السنة والأكراد والأقليات، ثم اتجه لتصفية الحسابات مع حلفائه من الشيعة ليمنع أي فرصة لتبديله. ساءت علاقاته مع دول الجوار، وابتعد عن محيطه العربي، واختلق المشكلات مع الجميع.

وفي النهاية كان المشهد مأساوياً؛ العراق المنكوب يكاد يختفي من على خريطة العالم كدولة موحدة عريقة، وتنظيم »داعش« يسيطر في أسابيع على أكثر من ثلث أرض العراق، والجيش الذي يقوده المالكي على أسس طائفية، ينهار في وجه هذه العصابة الإرهابية لترتكب أبشع الجرائم وتمارس التطهير العرقي والديني، بينما المالكي لا يدرك أنه سقط نهائياً منذ أن سقطت الموصل! لم يدرك حجم الهاوية التي قاد لها البلاد، حتى و»داعش« تقترب من العاصمة بغداد وتصبح على بعد أميال منها، وحتى وهو يرى مئات الألوف من المسيحيين العراقيين يتم تهجيرهم بالقوة أو ذبحهم بوحشية، والأزيديين يفرون من الموت على يد »داعش«، إلى الموت جوعاً وعطشاً فوق الجبال التي فروا إليها. وربما لم يحس بالخطر إلا بعد أن قررت واشنطن إرسال طائراتها الحربية في عمليات لمنع سقوط أربيل عاصمة كردستان العراقية في أيدي »داعش«. حينها أدرك أن قواعد اللعبة قد تغيرت، ولكنه لم يدرك أن عليه أن يرحل طوعاً قبل أن يتم ترحيله..

سقط المالكي، ولكنه ترك العراق على حافة الهاوية.. »داعش« قد تكون العنوان الأبرز للتحديات الآن، بما استولت عليه من سلاح وسيطرت عليه من أراض، وما تملكه من أدوات التهديد مع وضع يدها على سد الموصل ومناطق للبترول.. لكنها ليست العنوان الأخطر. فـ»داعش« نفسها ما كان يمكنها أن تتمدد بهذه السرعة، لولا المناخ الطائفي الذي خططت له أميركا بعناية منذ غزو العراق، ولولا ما حدث على يد المالكي من إقصاء للسنة وصدام مع الأكراد واضطهاد لباقي الأقليات.

الآن سقط المالكي، وجاء رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي ليواجه التحديات الهائلة التي ورثها عن السنوات الصعبة والممارسات السيئة لحكم المالكي. التوافق الأميركي - الإيراني الذي جاء بالمالكي قبل ثماني سنوات، انتهى إلى توافق على إسقاطه. وقد دفع العراق ثمناً غالياً خلال السنوات الماضية، ومنذ الغزو الأميركي الذي »بشرنا!« بتقديم النموذج الديمقراطي الذي سيتم تعميمه في الوطن العربي بعد ذلك.. فإذا به يقدم لنا نموذجاً لتدمير دولة عربية كبيرة، وتسريح جيشها وهدم مؤسساتها، ثم تركها لنفوذ إيران ولحكم طائفي استكمل مهمة التدمير حتى انتهى بالعراق وبنا إلى »داعش«، بكل ما تمثله من مخاطر تتجاوز حدود العراق، وتفتح أبواب الفتنة والدمار في أنحاء الوطن العربي.

يرحل المالكي عن الحكم، وتبقى الأوضاع الكارثية التي خلفها وراءه. يفتح رحيل المالكي أبواباً للحل ويعطي الفرصة لإنقاذ العراق، لكن علينا هنا أن ندرك أن الحل في النهاية لن يأتي على يد من بدأوا المأساة وهدموا العراق وجعلوا مصيره رهناً بصفقات بين قوى خارجية. الحل مرهون بالحفاظ - أولاً - على التوافق الوطني الذي نشأ لإسقاط المالكي، لكي يكون توافقاً على إنقاذ العراق.

والحل مرهون - ثانياً - بتأكيد إرادة وطنية ترفض الطائفية وتستعيد العراق وطناً لكل أبنائه، وتعرف أن ما بدأه الاحتلال الأميركي بتدمير الدولة وفرض المحاصصة، كان مقدمة لما أعلنه نائب الرئيس الأميركي أخيراً من أن تقسيم العراق هو الحل! والحل مرهون - ثالثا - بأن ندرك أن القضاء على »داعش«، وهو أمر لا شك فيه، لن يقضي على الخطر إذا بقيت الساحة العراقية مسرحاً لتصفية الصراعات الإقليمية من ناحية، ولتأجيج الحرب الطائفية ونشرها في المنطقة من ناحية أخرى. ويبقى السؤال الأهم: هل تعلم العرب الدرس؟ وهل أدركوا أن غيابهم هو الكارثة الحقيقية التي مهدت لكل الكوارث؟ وهل تبينوا أن تدمير العراق كان مقدمة لتدمير كل العالم العربي، تحت شعارات ديمقراطية زائفة رفعتها أميركا وصدقها البعض أو ادعى تصديقها ليبرر ما يفعله؟!

أمام العراق الآن فرصة لإنقاذ نفسه من الانهيار الكامل، وأمام العرب فرصة ليستعيدوا العراق من براثن إرهاب »داعش«، وطائفية المالكي، وصراع القوى الإقليمية غير العربية على اقتسام النفوذ في أرض الرافدين.. إنقاذ العراق سيمتد لإنقاذ سوريا وإيقاف مخطط تدمير الوطن العربي أو إعادة تقسيمه. الكارثة الحقيقية أن تضيع منا الفرصة، كما ضاعت فرص عدة من قبل!