تخطو العملية السياسية في العراق خطوات بطيئة، ولكنها مبشرة بإنهاء الوضع المعقد الذي وصلت إليه الحالة السياسية والميدانية، التي استغلها تنظيم معين، محاولاً فرض مشروعه ورؤيته الظلامية المغلقة.
وجاء انتخاب رئيس للبرلمان قبل أسابيع ليعلن بدء سير العملية، التي توقفت بسبب إصرار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على ترشيح نفسه لمنصب رئاسة الوزراء للمرة الثالثة، على الرغم من المعارضة الكبيرة لمثل هذا الترشح.
ويندرج في سياق الحل المأمول انتخاب رئيس جديد للجمهورية، الذي سيتبعه حتماً تكليف رئيس للوزراء بات في حكم المؤكد أنه لن يكون المالكي. ومن شأن هذه الخطوات الدستورية أن تشكل بداية الخروج من المأزق العراقي، الذي أسهمت في إطالة أمده شهوة الحكم التي تجاوزت المصلحة العامة. فالعراق بصيغته التي تلت عام 2003 تأسس على التوافق الاختياري والطوعي، ووضع مبادئ لتجاوز التسلط والتغول، اللذين عانتهما فئات واسعة من العراقيين طوال عشرات السنين، وأي محاولة للارتداد أو النكوص سوف لن يكتب لها النجاح.
ومن المؤكد أن السياسيين العراقيين باتوا يدركون أن التوافق هو الحل لأي معضلة، يمكن أن تنشأ في مسار العملية السياسية، وأن التأييد الشعبي يأتي من خلال السياسات الفعالة والمفيدة للناس، وأن خطر المتطرفين يمكن تجاوزه في ظل عملية سياسية متوازنة، وخير دليل على ذلك تجربة الصحوات التي وضعت حداً للمتطرفين بشكل شبه كامل..
لولا سياسات الانتقام والعداء التي اتبعها فريق سياسي استأثر بالسلطة، واعتبرها وسيلة للقبض على حاضر ومستقبل البلد. ولكي تسير العملية السياسية في العراق نحو غايتها المنشودة، لا بد من توافق داخلي مدعوم بمساندة إقليمية ودولية، لأن جزءاً من أزمة العراق تكمن في محاولة طرف إقليمي معين الهيمنة على القرار السياسي في بغداد، وتحويله إلى ورقة للتفاوض مع المجتمع الدولي، وهذا ما ينبغي التنبه له واليقظة من عواقبه لأنه إن استمر سيقود العراق إلى مزيد من التشتت والتشرذم.