قبل ثلاثين عاماً، حملتنا طائرة خاصة من القاهرة إلي الجزائر، للمشاركة في المؤتمر الوطني الفلسطيني المهم الذي عقد هناك.

كان معنا في الطائرة كل القيادات الوطنية المصرية من كل التيارات السياسية، ومن أقصى اليمين إلي أقصى اليسار، ومن كل الأجيال والاتجاهات. وخلال المؤتمر حرص الرئيس الفلسطيني الراحل»أبو عمار« على اللقاء بالوفد المصري في حوار امتد لساعات طويلة. كانت المقاطعة العربية الرسمية لمصر بعد كامب ديفيد ما زالت سارية، وكان أبو عمار قد كسر هذه المقاطعة بعد مأساة المقاومة الفلسطينية في لبنان. عندما سئل في اللقاء عن ذلك قال: نحن لا نملك رفاهية الابتعاد عن مصر أياً كان الحكم فيها، ومهما وقع من خلافات في وجهات النظر. مصر هي السند الأساسي لنا، ومن دون دعمها لا يمكن أن نحقق شيئاً.

وفي الزيارة العلنية الأولي لخالد مشعل للقاهرة، استضافته نقابة الصحافيين ليعقد مؤتمره الصحافي الأول في العاصمة المصرية، قبل المؤتمر تحدثنا طويلاً. أفاض الرجل في تحية الجهد، الذي يبذله رجال المخابرات المصرية ورئيسها في ذلك الوقت عمر سليمان، الذي كان مكلفاً بالملف الفلسطيني.

قال إنهم يحاولون المساعدة بكل الطرق ويبذلون جهوداً هائلة من أجل وقف الصراع بين مختلف الفصائل الفلسطينية وخاصة بين »فتح« و»حماس« ودعم الفلسطينيين في قطاع غزة تجاه المحتل الإسرائيلي.

من ناحية أخرى حرص الأخ خالد على توضيح أنه يتفهم جيداً حساسية الموقف الداخلي في مصر، ولهذا لن يلتقي في زيارته بقيادات جماعة »الإخوان« ولن يذهب لمكتب الإرشاد أو يتصل به، وأن برنامج زيارته لن يتجاوز ما تم الاتفاق عليه مع السلطات المصرية. بعدها جاء إسماعيل هنيه إلي القاهرة، وتكرر المشهد نفسه، وسمعنا الحديث نفسه، واطمأننا بأن أي خلافات بين »حماس« الداخل والخارج لا تمس العلاقة مع مصر.

لكن الأمور تغيرت بعد ذلك، وقبل وقت طويل من ثورة يناير، حين خرجت حماس لتحتفل بذكرى تأسيسها فإذا بإسماعيل هنيه يعلن لأنصاره أن حماس هي الجناح العسكري للإخوان المسلمين، ولم يكن ذلك خافياً على أحد، لكن الإعلان عنه وبالطريقة التي تم بها كانت تعني أن هناك رسالة يجري إبلاغها لمن يهمه الأمر.

وبالتأكيد لم يكن من الممكن أن يتم هذا إلا بتعليمات من قيادة الجماعة ومكتب إرشادها أو تنظيمها الدولي، ولم تكن الرسالة للداخل الفلسطيني أو مصر أو العدو الإسرائيلي، وإنما كانت جزءاً من مفاوضات سرية تجريها الجماعة مع أطراف خارجية (في مقدمتها أميركا) تمهيداً لما حدث بعد ذلك من تمكين الجماعة من حكم مصر، والتخطيط لكي تصعد للسلطة في أنحاء العالم العربي!

جاءت ثورة يناير لتصبح »حماس« طرفاً في الصراع الداخلي في مصر، وازداد الأمر سوءاً مع تولي »الإخوان« السلطة ومحاولة توطين جماعات الإرهاب في سيناء، والحوادث الإرهابية التي صدمت المصريين جميعاً بداية من اغتيال الجنود في رفح ساعة الإفطار في رمضان. وكان طبيعياً أن تسوء العلاقات أكثر بعد سقوط الإخوان في 30 يونيو، ومواجهة مصر لحرب حقيقية ضد الإرهاب وخاصة في سيناء.

ورغم ذلك كله، لم يكن ممكناً أن تقف مصر ساكنة والشعب الفلسطيني يدفع ثمن حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل. توافقت القاهرة مع السلطة الفلسطينية على أن الأولوية لوقف المذبحة التي تجري بحق الشعب الفلسطيني وقطع الطريق على اجتياح قطاع غزة، وطرحت القاهرة مبادرتها للتهدئة وإيقاف القتال، التي أيدها وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم العاجل، وأيدتها أميركا وأوروبا، لكن حماس وبعض الفصائل الأخرى رفضتها. وصفت حماس مبادرة القاهرة بأنها طعنة في الظهر، وأنها مبادرة للركوع والخنوع .. إلخ.

والمفارقة أن المبادرة المصرية الجديدة لا تختلف عن المبادرة التي أوقفت العدوان السابق في 2012، والتي لعب فيها الرئيس المعزول مرسي دوراً جعل أميركا وإسرائيل تشيدان به، وتعتبرانه الحليف الاستراتيجي الجديد لهما في المنطقة! وفي تلك المبادرة قبلت حماس لأول مرة أن توصف أعمال المقاومة بأنها أعمال عدوانية ضد إسرائيل، وتعهدت بإيقافها وأوفت بما وعدت به طوال حكم الإخوان.

ويومها وقف الأخ خالد مشعل يشيد بالمبادرة، ويقول إن إسرائيل فشلت في كل أهدافها وخضعت لشروط المقاومة(!) وأن مصر قامت بالمسؤولية التي تشكر عليها بحرفية ومهارة و موضوعية.. إلخ.

ولم يكن لحماس أن يقولوا غير ذلك، فالقرار كان لقيادة »الإخوان« والصفقة كانت لتثبيت مواقعهم في القاهرة قبل غزة، والطريق كان قد بدأ لتنفيذ المخططات الأميركية في تسليم السلطة في المنطقة لهذا التيار تمهيداً للتقسيم الجديد للمنطقة علي حساب العرب أولاً وأخيراً، وبالفعل لم يتأخر »الإخوان« في العمل، وفي اليوم التالي لاتفاق التهدئة كان المعزول مرسي يصدر إعلاناً دستورياً يفرض فيه حكماً ديكتاتورياً يستحوذ فيه على كل السلطات معتمداً على دعم أميركي ظناً أنه قادر على تمكين الجماعة من فرض سيطرتها الكاملة على مصر.

أكتب هذا المقال وشلال الدم الفلسطيني ما زال ينزف، والموقف يتصاعد والجهود تبذل لإيقاف المذبحة. ولعل كلمات »أبو عمار« التي أوردناها في البداية تظل حاضرة عند الجميع، ولعل الحسابات الصغيرة لا تطغى على المصلحة الوطنية والقومية، فالمؤامرة أكبر مما يتصور الكثيرون، والوطن العربي لم يعد يحتمل المزيد من اللعب بالنار!