مصر.. ماذا بعد عودة الغائب؟!

 لم يكن مجرد احتفال بتولي رئيس مصر الجديد المنتخب لمهام منصبه، بل كان إعلاناً بعودة الدولة التي كادت تقع في مستنقع الفوضى والتخلف في عام حكم الإخوان الأسود قبل 30 يونيو، لهذا خرجت الملايين إلى الشوارع، وكانت البهجة هي العنوان السائد لاحتفال المواطنين في مصر، بل وفي العالم العربي الذي عانى كثيراً من غياب مصر .

والذي كان يدرك بحسه العميق أن سقوط مصر يعني اكتمال الكارثة بالنسبة للوطن العربي كله. الاحتفالات الرسمية كانت كاشفة لمواقف العديد من الأطراف. الوجود العربي كان مميزاً وخاصة من دول الخليج العربي، وكان وجود سمو الشيخ محمد بن زايد إلى جوار ولي عهد السعودية وأمير الكويت فرصة ليلمسوا مشاعر التقدير والمحبة لدى كل المصريين للأشقاء الذين وقفوا مع مصر في أصعب الظروف ورغم كل الضغوط.

وليسمعوا مرة أخرى تأكيد الرئيس المصري السيسي أن أمن الخليج العربي هو جزء من أمن مصر القومي. الحضور الإفريقي أيضاً كان لافتاً، وكان رد فعل الرئيس المصري في أول خطاباته الرسمية هو التأكيد على دور مصر في الدائرة الإفريقية.

وإشارته الذكية للخلاف مع أثيوبيا حول سد النهضة حيث أكد حقها في التنمية، وفي الوقت نفسه أن مياه النيل هي قضية حياة بالنسبة لمصر. وجاء الإعلان عن لقاء السيسي مع الرئيس الأثيوبي بعد أسبوعين مؤشراً على السير في طريق حل المشكلة. وبالطبع كان لافتاً تواضع التمثيل الأميركي والأوروبي، في مقابل حضور جيد من جانب روسيا والصين.

ولم توجه الدعوة لتركيا وقطر وإسرائيل. وانتظر الرئيس الأميركي يومين إضافيين بعد الاحتفالات ليتصل هاتفياً بالسيسي بعد عشرة أيام من إعلان النتيجة، وبعد أن كانت الملايين قد نزلت للشوارع للاحتفال مرة أخرى، وبعد أن كان السيسي قد أكد في خطابه يوم تسلم السلطة استقلال القرار المصري، وأن زمن التبعية قد انتهى!!

لكن العودة تأتي مع تحديات هائلة تواجهها مصر.. بدءاً من إرهاب مازال يحاول رغم الضربات القاصمة التي تلقاها، إلى اقتصاد يمر بأصعب أوضاعه وإن كان يملك كل إمكانيات التعافي خاصة مع الدعم العربي الكبير من الأشقاء في السعودية والإمارات والكويت، إلى حصار من بعض القوى الدولية يبدأ من وقف تسليم السلاح إلى محاولات ضرب السياحة.

وسط هذه التحديات كلها، يبدو الأهم أن مصر ليست مطالبة فقط بعبور أزمتها، ولكنها مطالبة أيضاً باستئناف مسيرة الحداثة التي توقفت منذ أربعين عاماً، فكانت النتيجة أن طغت الأفكار الظلامية على أفكار التنوير، وأن تدهورت كل الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وأن أصبحت التبعية بديلاً للاستقلال الوطني. لهذا كله تطفو على السطح مرة أخرى قضية «الجبهة الوطنية» خاصة أن أمام مصر خلال شهور قليلة الاستحقاق المهم الخاص بانتخاب مجلس النواب.

وهو الخطوة الأخيرة في تنفيذ خريطة المستقبل التي توافقت عليها القوى الوطنية بعد 30 يونيو. يتصاعد الخلاف الآن حول قانون انتخابات مجلس النواب الذي أصدره الرئيس المؤقت السابق المستشار عدلي منصور قبل أيام من تسليم السلطة للرئيس السيسي، والذي اعتمد أساساً النظام الفردي الذي تعارضه معظم الأحزاب والتي تطالب الآن بأن يعيد الرئيس السيسي النظر في القانون.

ومع ذلك فالقضية - في حقيقتها - أبعد من نظام الفردي أو القائمة، ولكل منهما عيوبه وإيجابياته. القضية أن تشرذم الأحزاب وضعفها يمنح الفرصة للأطراف المناهضة للثورة أو المنتمية للماضي أو حتى لعناصر الإخوان المتسترة خلف لافتات أخرى للتسلل إلى البرلمان، مستفيدة من الإمكانيات المادية والتنظيمية التي تملكها، والتي تعجز الأحزاب المدنية عن مجاراتها فيها. والخطورة هنا أن البرلمان المقبل - بحكم الدستور الأخير - يملك صلاحيات واسعة.

فهو يملك إعطاء الثقة أو سحبها من الحكومة أو بعض أعضائها، وهو الذي سيتولى إصدار عشرات القوانين الضرورية والمطلوبة لتحقيق أحكام الدستور في مختلف المجالات، وهو يملك حق توجيه الاتهامات لرئيس الجمهورية وإحالته للتحقيق، بل وسحب الثقة منه واللجوء لانتخابات مبكرة. لقد تم وضع الدستور وفي أذهان الجميع التجربة المريرة لحكم المعزول مرسي.

ومن هنا كان اللجوء لتقليص سلطات رئيس الدولة وتعظيم سلطات البرلمان. وتدرك الأحزاب السياسية الآن أن أياً منها لا يستطيع الحصول على الأغلبية في البرلمان الجديد (سواء استمر القانون كما هو معتمداً على الانتخابات الفردية أو تم تعديله لصالح الانتخابات بالقائمة).. وتدرك الأحزاب السياسية المدنية خطورة إلا يكون البرلمان الجديد في معظمه صوتاً لقوى الثورة مهما تباينت اتجاهاتها السياسية.

وتدرك الأحزاب السياسية أيضاً أن التحديات التي تواجهها مصر الآن لا تحتمل صداماً بين الرئيس والبرلمان يدخل البلاد في دوامة من الفوضى السياسية. من هنا تدور الآن حركة دؤوبة داخل الأحزاب والقوى السياسية لتكوين «جبهة وطنية» تضم كل قوى الثورة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات