أصبحت الآنية الزجاجية، شأن الأعمال الفخارية، جزءاً مهماً من البيئة الثقافية الإسلامية، وكانت إبداعات متألقة مثل القناديل في المساجد، نتاجاً للعبقرية الإسلامية في تبني أسلوب فني باستخدام المواد الضرورية وإنجاز عمليات إعادة الابتكار المطلوبة بالنسبة للشكل والتصميم. وقد وظفت الآنية الزجاجية التي ضربت جذورها في وقت لاحق في العالم الإسلامي، الأسلوب الفني الذي بمقتضاه تنفذ التصميمات بزوايا مدهشة، وخصوصاً في مصر وشمال إفريقيا بشكل عام، بالإضافة إلى ممارسته في بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس.

وهناك التصميم الصعب والمميز، المتمثل في النحت البارز في الزجاج، الذي يتم بقطع السطح الخارجي للآنية والحفاظ على نمط التصميم تحت هذا السطح. وكان هذا فناً دقيقاً بالنسبة لإبداع الفخار، استخدم بصورة مكثفة لإضافة اللون والضوء في الأماكن الداخلية من العمارة الإسلامية، وتم تطويره في إطار خطوط التقاليد الإقليمية والممارسات الفنية.

وكان لمصر تاريخ عريق في إنتاج الزجاج، ولعبت دوراً رائداً في صناعة الزجاج الإسلامي، وقد استمر الأسلوب المصري الفني السابق للرومان المتمثل في الزجاج الممشط، في تحقيق الرواج في البيئة الثقافية الإسلامية. وهو يتضمن غرس العديد من الخيوط الزجاجية الملونة في السطح الزجاجي، بينما الزجاج لا يزال ساخناً.

وهذه الخيوط كانت تمشط كالشعر، وتكون النتيجة نمطاً مذهلاً من تألق الألوان. وكان الأسلوب الفني الآخر الرائد لدى الفنانين المسلمين هو أسلوب نفخ القالب، وبهذه الطريقة كان الزجاج ينفخ بينما لا يزال ساخناً ويعطي الشكل المطلوب. وكشفت عمليات التنقيب في سامراء، عن مؤشرات مهمة متعلقة بصناعة الزجاج التي ازدهرت في القرن التاسع في العراق، في ظل الدولة العباسية. وإلى جانب أسلوب المصريين الخاص بنفخ القالب، فإن أسلوب القطع بالعجلة كان يوظف أيضاً، وكان رائجاً من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر

. واستخدم هذا الأسلوب كذلك في مراكز أخرى، لإبداع الآنية الزجاجية في بلاد فارس وآسيا الوسطى، مثل نيسابور وسمرقند. غير أن ابتكاراً آخر يضرب جذوره في هذه المنطقة، يتم فيه قطع الإطار الخارجي التصميم بزاوية محددة، قد شاع وانتشر وتم تبنيه في مصر وشمال إفريقيا، فضلاً عن العراق وفارس.

ونجد أيضاً الأسلوب الصعب والمتميز المتعلق بالنحت البارز في الزجاج، والذي يتم بقطع السطح الخارجي للآنية، وترك نموذج التصميم بعد ذلك. وقد وصف هذا الأسلوب بأنه «فن رقيق ذو تأثير بصري عظيم». وقد تم إبداع زجاج كاميو باستخدام هذا الأسلوب الفني نفسه، واقتضى خبرة عظيمة في التعامل مع الزجاج.

ويعود أسلوب كاميو إلى العهود التي سبقت الإسلام، حيث يوضع على الشكل الأساسي للزجاج، زجاج من لون ونوعية أخرى. كان الزجاج الملون ذو البريق المتألق رائدا أيضا في العالم الإسلامي، تماماً مثل الخزف المزجج، وكان التذهيب شائعاً كذلك، حيث كان الذهب يستخدم في الإبداعات الزجاجية ويعلق في الزجاج..

وبعد ذلك يتم إحراقه، وكان هذا الأسلوب شائعاً لدى السلاجقة. غير أن إبداع الأعمال الزجاجية لم يصل إلى مستوى الشكل الفني حقاً إلا في ظل حكم المماليك في مصر، حيث استخدم أسلوب التذهيب المصري ليتكامل مع أساليب طورت في سورية، الأمر الذي أدى إلى ابتكار أعمال فنية إسلامية مميزة. وقد تم إنجاز قناديل المساجد بهذه الطريقة، حيث كانت تصنع من الزجاج الراقي وتزخرف بأشكال زهرية وخطّية. وقد أبدعت هذه القناديل لكي تعلق من السقف وبوسع المرء أن يتصور المحتوى السحري والروحي لها، فيما هي تنثر العديد من الأضواء وتشكل تناغماً لتداخلات الأضواء والظلال.

وبوسع من يجيد القراءة أن يقرأ سطور الخط البديعة حول عنق القنديل، والتي غالباً ما تكون آيات كريمة من سورة النور. وقد تأثر صناعة الزجاج السورية العظيمة بالغزو التتري، الذي ساعد على نشر التقنية المتقدمة في الإبداعات الزجاجية التي تميزت بها آسيا الوسطى. وكان شاه عباس صاحب فضل كبير في إحياء تقاليد فارس الإبداعية القديمة، المتعلقة بإبداع الزجاج. وأصبحت شيراز وأصفهان مركزين كبيرين لإبداع الزجاج المتميز من نوعية رائعة. وقد دعم المغول في وقت لاحق الخبرة الفارسية القديمة.