يا أهل الإمارات إنكم محسودون

استمعتُ قبل فترة إلى مقطع صوتي لفضيلة الشيخ الدكتور سليمان الرحيلي، أستاذ كرسي الفتوى وضوابطها في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وعضو هيئة التدريس فيها، وذلك في كلمةٍ له يحثُّ أبناء الإمارات على التمسك بوحدتهم وما هم فيه من نعم وخيرات، ولفت نظري ما أشار إليه من قوله: «يا أهل الإمارات إنكم والله محسودون»، وصدق في ذلك، فإنَّ الله تعالى منَّ علينا أهل الإمارات بنعم متنوعة كثيرة، والتي منها:

أولا: نعمة ولاة الأمور الحكماء الأوفياء، الذين حملوا على عاتقهم النهوض بهذه الدولة وتوفير الحياة الكريمة الهانئة لأبنائها، وجعلوا تعاليم الإسلام الحنيف أولى أولوياتهم، وحرصوا على إقامة دولة عصريَّة راقية تتميَّز بأرقى الخدمات في مجالات كثيرة متنوعة، وامتدت أياديهم البيضاء إلى الأشقاء والمحتاجين والمنكوبين في كلِّ مكان، فكانوا بأخلاقهم العالية ومواقفهم المشهودة قريبين إلى القلوب، محبوبين إلى الرعية، فهم والمجتمع والحمد لله في وفاق ومحبة ووئام كالجسد الواحد، يجتمعون في الأفراح والأتراح، ويتعاونون في خير هذه البلاد وخير أهلها، وهذه نعمةٌ عظيمةٌ كبرى. وفي المقابل كم رأينا في بعض المجتمعات من حولنا من نزاعات وصراعات بين حكامها ومحكوميها، حتى استشرت فيهم الفتن المدلهمَّة التي لا تزال آثارها السلبية مستمرة إلى اليوم، والله المستعان.

ثانيا: نعمة الوحدة والاجتماع، فقد كنَّا قبل الاتحاد في تفرُّقٍ وشتات، فمنَّ الله علينا باتِّفاق الكلمة ووحدة الصف، فاجتمعنا تحت رايةٍ واحدة، والتقينا إخوةً متحابِّين في بيتٍ جامعٍ متوحِّد، برئاسة مؤسس الاتحاد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ثم برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله ومنَّ عليه بموفور الصحة والعافية.

وهذه نعمةٌ عظمى لكلِّ من تَفَكَّر وتأمَّل، وذلك من وجوهٍ عدَّةٍ، الأول: قيام صرح الاتحاد ونجاحه نجاحًا نموذجيًّا يُضرب به المثل، الثاني: استمرار الاتحاد اثنين وأربعين عاما، وازدياده قوَّةً وشموخًا مع مرور هذه السنين، الثالث: ما نتج عن الاتحاد من ثمراتٍ عظيمةٍ وإنجازاتٍ باهرةٍ داخليةٍ وخارجيةٍ، لم تكن لتتحقق لولا هذا الاتحاد والاجتماع بفضل الله تعالى، بينما إذا نظرنا من حولنا وجدنا أمثلةً كثيرةً على النقيض، فكم من آمال وحدوية فشلت، وكم من تجارب لم تستمر سوى سنوات قصيرة، بل وكم من دول تفكَّكت وانشطرت، كلُّ ذلك يجعلنا نستشعر عظيم ما نحن فيه من نعمة الوحدة والاجتماع.

ثالثا: نعمة رغد العيش ووفرة الأرزاق وكثرة الخيرات، فكيف كان يعيش آباؤنا وأجدادنا بالأمس وكيف أصبحنا نعيش نحن اليوم؟ إنَّ كل عاقل يلمس بعين اليقين هذه القفزة الهائلة والتغيير الكبير الذي نقل قاطني هذه الدولة من حال إلى حال، من الشدة والفاقة إلى البسط والرخاء، من الجوع والمقاساة إلى الراحة والسعادة، فانتشرت النعم الغزيرة في كلِّ مكان، وتوفرت الخدمات المتنوعة بسهولة ويسر ورقي، حتى شهدت التقارير العالمية بأن دولة الإمارات العربية المتحدة هي إحدى أغنى دول العالم، بالنظر إلى تمتُّع سكانها بأعلى مستويات الدخل والمعيشة، أفليست هذه نعمةٌ عظيمةٌ كبرى يَصْدُقُ فيها قول القائل: إنكم يا أهل الإمارات محسودون؟

رابعا: نعمة الأمن والأمان والاستقرار الذي يعمُّ أرجاء البلاد بحمد الله ومنِّه، فلا خوف ولا زعزعة ولا قلاقل، يخرج المرءُ من بيته وهو مطمئنُّ البال، آمنٌ على نفسه وأهله ومجتمعه، أليست هذه نعمةٌ عظمى؟ ألسنا نرى بأمِّ أعيننا كثيرا من المجتمعات من حولنا لا يأمن الرجل على نفسه إذا خرج من بيته؟! ألسنا نرى التقتيل والتفجير والترويع والتشريد والمجازر والمآسي التي تقشعر منها الجلود، والآلات الدموية المتعطشة التي تتحين اقتناص الأرواح ذات اليمين وذات الشمال، والمجاعات التي تهدِّد الصغير والكبير؟! ألسنا ونحن نرى هذه الأحوال المريعة في غيرنا، نعيش في آمن ما يكون الإنسان على نفسه؟! اللهم لك الحمد على ما أنعمت وأوليت، اللهم ارزقنا شكرك، وزدنا من فضلك، واحلل الأمن والأمان برحمتك ومنِّك على سائر بلاد المسلمين.

مما لا شك فيه أن هذه النِّعم وغيرها تورث العقلاء المحرومين منها الغبطة، وهي تمنِّي الوصول إلى هذا المستوى الراقي من مقومات العيش الهانئ والسُّرور بها. وفي المقابل تورث أهل المكر وأصحاب الأغراض والأطماع الحسد والحقد، فيكيدون ويتآمرون ويسعون إلى زوال هذه النعم عن أهل وطننا الغالي بطرق شتى، والتي منها: محاولة إشعال الصراعات السياسية والحزبية والفكرية والثقافية التي تورث اضطراب الأمور ووقوع الفتن.

إن هذه الرؤية الواقعية للحياة، تضع أمام الإنسان العاقل تصوُّرًا واضحًا لما ينبغي أن يكون عليه، من شكر النِّعم والسعي الحثيث للمحافظة عليها، وذلك بطاعة الله المنعِم المتفضِّل جلَّ وعلا، والالتفاف حول القيادة الرشيدة، والمحافظة على وحدة النسيج الاجتماعي، ونشر المحبة والألفة، والعناية بالثقافة الوسطية المعتدلة، والتحصين الفكري الإيجابي، والتعاون البنَّاء المثمر لتحقيق الأكمل والأفضل في هذه الجوانب كلها.. حفظ الله القيادة والوطن، من المرضى والحساد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات