قرطبة.. دروس جديرة بالتأمل

بعد وفاة عبد الرحمن الداخل عام 788، تراجع وضع قرطبة ببطء على امتداد أكثر من قرن من الزمن، وكان ذلك مرده إلى الافتقار للقيادة الحاسمة من جانب من أعقبوا عبد الرحمن في سدة الحكم، والسخط الذي تفاقم باطراد بين الكثير من الجماعات المختلفة التي تألفت منها قرطبة، ومن بينهم المولدون، وهو الاسم الذي أطلق على الإسبان الذين اعتنقوا الإسلام، وتفاقم سخطهم إزاء ما رأوه من حياة مترفة يتمتع بها الحكام.

وفي عام 814، وفي تعبير أخير عن السخط، انطلق المولدون فهاجموا القصر الملكي، فردتهم على أعقابهم خيالة الخليفة، وتم أسر 300 من قادتهم وجرى إعدامهم، ودمر الحي الذي كانوا يقيمون فيه بكامله، وشرد حوالى 60 ألفا منهم عبر البحر المتوسط، في مدينة فاس التي بنيت حديثا، وفي الإسكندرية ومناطق أخرى.

وبالإضافة إلى الاضطرابات الداخلية، فإن سيطرة العسكريين في قرطبة جرى تحديها بصورة مستمرة، وامتلأ الريف الذي حفل بالمزارعين الساخطين، بالجماعات المسلحة الغاضبة.

وتم إنقاذ الموقف من خلال وصول عبد الرحمن الثالث إلى السلطة (912-961)، وكان رجلا يتمتع بقدرة نادرة كإداري وكرجل حركة، وكانت مهمته الأولى هي إعادة السيطرة على الأراضي التي فقدتها قرطبة خلال سنوات الضعف، وتهدئة تلك المناطق التي انهار فيها النظام وغاب عنها القانون.

وقد حقق نجاحا كبيرا في هذا الصدد، بحيث أنه في غضون أعوام قلائل، أصبح حاكما للأندلس بكاملها، وليس قرطبة فحسب، وفي عام 929، حمل لقب الخليفة الناصر لدين الله، وسرعان ما انطلق يشن الحملات خارج حدود الأندلس، ووصل بعيدا إلى الشمال من بمبلوما.

في ظل حكم عبد الرحمن الثالث وابنه الحكم الثاني، الذي استمر حتى عام 976، وصلت قرطبة إلى أعلى ذرى الحضارة والثقافة، وأصبحت بالنسبة للعرب والأوروبيين، المكان الذي تشد إليه رحال الكتاب والأدباء والمبدعين وذوي المهارات في الفنون والحرف.

ورغم المنافسة والعداء الذي تعرض له حاكم قرطبة، فإنه كان بالفعل حاكم الأندلس، وكان يشن مرتين في العام حملات لتوسيع نطاق الحكم الإسلامي في الأندلس. غير أنه بوفاة الحكم الثاني، دخلت قرطبة من جديد مرحلة من عدم الاستقرار السياسي، وغرست بذور تراجعها.

ومع ذلك، فإنه قدر لها قبل سقوطها أن تشهد ظهور واحد من أكثر رجال الحركة فيها اقتدارا، والذي استطاع أن يوسع إلى حد كبير نطاق الحكم الإسلامي في إسبانيا، وكان اسمه أصلا محمد بن أبي عامر، لكنه أصبح يحمل عن جدارة لقب المنصور بالله. وقد بدأ مسيرته كاتبا متواضعا في البلاط، وبمرور الوقت حظي بتقدير الملكة الأم، فغدا كبير وزراء ابنها الخليفة.

وهكذا فإنه على امتداد 17 عاما، أصبح الحاكم الفعلي للأندلس، وشن مرتين في العام حملات حربية إلى الشمال والجنوب من عاصمته، ودوت انتصاراته على امتداد ساحل الشمال الإفريقي، وكذلك في النصف الشمالي من شبه جزيرة إيبيريا، بحيث وصلت جيوشه إلى برشلونة وليون، بل ووصل إلى مدينة سانتياغو دي كوستيلا في الشمال الغربي من شبه جزيرة إيبيريا ودمرها.

وقد أصبحت هذه المدينة مزارا للكثيرين، لأنها تضم رفات القديس جيمس، وبينما هدم المنصور المزار، فإنه أربأ بنفسه أن يمس القبر ذاته.

وحملت أجراس الكاتدرائية وأبوابها غنيمة، ونقلت عبر جبال البرينيه إلى قرطبة على كواهل أسرى الحرب من أبناء تلك المدينة. في وقت لاحق عندما سقطت قرطبة في أيدي الإسبان، حملوا تلك الأجراس والأبواب من جديد إلى سانتياغو دي كوستيلا، وفي هذه المرة على كواهل الأسرى من أبناء قرطبة.

توفي المنصور بينما كان يخوض غمار إحدى حملاته الحربية، وبوفاته أصبحت السيطرة على قرطبة في أيدي سلسلة متتابعة من الحكام الذين يفتقرون إلى الكفاءة، والعاجزين عن التعامل باقتدار مع مؤامرات القصر ومكائده، وتعددت التهديدات من الأعداء السابقين. ومع ذلك فإنه خلال هذه المرحلة، ظل تفوق قرطبة الحضاري بلا منازع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات