رغم كل العقبات والصعوبات، استطاعت مصر أن تعبر الاستحقاق الثاني المهم على طريق خريطة المستقبل، التي حددتها بعد ثورة 30 يونيو. تمت انتخابات الرئاسة، ولم يعد هناك إلا استحقاق الانتخابات البرلمانية خلال بضعة شهور، ليكتمل البناء الديمقراطي الجديد وتنتهي الفترة الانتقالية التي كانت بالغة الصعوبة.
في الطريق لتحقيق هذا الإنجاز، استطاع شعب مصر أن يقهر الكثير من العقبات، وأولها موجة الإرهاب التي لم تتوقف، والتي كان «إخوان الإرهاب» وحلفاؤهم يتوقعون أن تؤدي لترويع الناس وانصرافهم عن أداء الواجب الانتخابي.
لكن المصريين خيبوا ظن «إخوان الإرهاب»، ورغم عوائق أخرى كثيرة، فقد نزلت في اليومين الأولين للانتخابات (وقبل قرار التمديد ليوم ثالث)، نسبة تجاوزت 35% ممن لهم حق التصويت، وهي نسبة لا يمكن إلا تقديرها في ظل تهديدات لم تتوقف بتفجير المقرات الانتخابية، وفتاوى إفك أضحكت المصريين، بتحريم الانتخابات من جانب الإخوان!
ومن بين العقبات الأخرى كانت حرارة الجو الشديدة، التي فاجأت المصريين في أيام الانتخابات، وهو ما لم يشجع الكثيرين على المشاركة، خصوصاً بعد أخطاء إعلامية كثيرة روجت لفكرة أن الانتخابات محسومة، وأن فارق التأييد بين المرشحين كبير للغاية. وكان هناك أيضاً (على الجانبين)، قصور شديد في الحملات الانتخابية.
ففي معسكر حمدين صباحي كانت الإمكانات قليلة، ورغم حركة المرشح التي لم تتوقف فقد تأثرت حملته كثيراً بالانقسامات التي ضربت معسكر شباب الثورة، وباختيار بعض القوى القريبة لموقف المقاطعة. أما الحملة الانتخابية للسيسي فاقتصرت على اجتماعاته بممثلين لطوائف الشعب، واضطر هو في النهاية للتصريح بأنه يعتمد فقط على تواصله مع الناس وثقتهم فيه.
لكن هذا لم يمنع بعض الانتهازيين من محاولة إلصاق أنفسهم بالجملة، ولم يمنع وجوهاً محسوبة من فلول النظام السابق أن تطل على المشهد، وبعضها حين لم ينجح تحول إلى عامل سلبي ضد المشاركة في الانتخابات. العامل الأخطر من كل ذلك، هو غياب الأحزاب السياسية عن المشهد.
كان ضعف الأحزاب المصرية أمراً معروفاً، لكن ما أظهرته هذه الانتخابات هو الغياب التام عن الشارع السياسي. كل حزب أو فصيل سياسي اكتفى باجتماع لقيادته (التي هي في معظم الأحيان كل أعضائه الفاعلين)، يعلن الموقف من الانتخابات وتأييد هذه المرشح أو ذاك..!
ربما كان حزب النور السلفي هو الوحيد الذي حاول أن يسجل حضوره على الأرض، لكن الأمر كان أقرب لتسجيل الحضور من خوض معركة.
أما الارتباك الحقيقي فجاء من اللجنة العليا للانتخابات وقراراتها المتضاربة، بدءاً من اختيار يوم الانتخابات في يوم مناسبة دينية يصوم فيها معظم المسلمين المصريين، إلى عدم التنسيق مع الحكومة التي طبقت التوقيت الصيفي قبل أيام من الانتخابات، إلى منح إجازة غير ضرورية في اليوم الثاني، ثم مد الاقتراع ليوم ثالث.. وكان الأجدى مد زمن الاقتراع في يومي التصويت لساعتين إضافيتين في المساء لتعويض فترة الحر الشديد.
ورغم هذا كله، انتصر المخزون الحضاري التاريخي لدى شعب مصر على كل هذه العقبات. حولوا انتخابات الرئاسة إلى احتفالية بهزيمة «إخوان الإرهاب» واستفتاء على نهايتهم.
أدركوا أن المعركة ليست انتخاب رئيس، بل إقامة دعائم النظام الجديد وإعلان انتصاره على كل محاولات إجهاض الثورة أو سرقتها. ساعد على ذلك تقارب وجهات النظر بين المرشحين تجاه العدالة الاجتماعية في الداخل، والاستقلال الوطني في الخارج.
وكان مبهراً أنه في الوقت الذي يطلق فيه «إخوان الإرهاب» صيحات الوعيد وإنذارات الدمار، كانت البهجة تسيطر على الأجواء في لجان الانتخابات، والأمهات يصطحبن الأطفال الصغار، والأمل - رغم كل المصاعب - هو سيد الموقف. لكن.. ماذا بعد؟ مصر تواجه تحديات هائلة والرئيس القادم سيجد نفسه مطالباً بقرارات صعبه.
فهل يمكن إدارة الأمور بالطريقة نفسها التي تمت بها إدارة المعركة الانتخابية؟ وهل يمكن الارتكان إلى مجموعة صغيرة من الذين لا يملكون الخبرة السياسية المطلوبة؟ وهل يمكن الاعتماد فقط على مشاعر الثقة والمحبة بين القيادة والناس في ظروف نعرف جميعاً مدى صعوبتها؟
وهل يمكن أن يظل في المشهد من يسيء للقيادة أو يعطي رسالة (ولو خاطئة) بعودة ما هو مرفوض جملة وتفصيلاً؟! ثم ماذا عن انتخابات برلمانية قريبة، مع ما رأيناه من إفلاس حزبي شامل، خصوصاً أن الدستور الجديد يقلص سلطات رئيس الدولة لصالح البرلمان والحكومة؟ وهل سنملك وقتاً لتدارك الموقف قبل انتخابات البرلمان، لنأتي بأغلبية من أنصار الثورة والدولة المدنية..
أم سنترك الأمر للصدفة التي سيتحملها المال السياسي والتلاعب مرة أخرى - بالمشاعر الدينية؟ نعرف أن أمام الرئيس المصري الجديد مهمتين أساسيتين: الأولى استعادة الأمن وسحق الإرهاب، والثانية استعادة الاقتصاد المصري لعافيته تمهيداً لعملية انطلاق ضرورية بمشاركة عربية.
لكن مشهد الانتخابات الرئاسية يفرض مهمتين إضافيتين لا يمكن تأخيرهما: الأولى هي استعادة ثقة قطاع من الشباب، من حقه أن يختلف دون أن يفترق عن صفوف الثورة.. وربما كان تعديل قانون التظاهر والإفراج عن شباب مكانه في صفوف الثورة، هو مقدمة هذه الانفراجة المطلوبة.
أما المهمة الأخرى فهي ضرورة تجاوز ضرورات المنافسة في انتخابات الرئاسة، واستعادة وحدة الصف بين كل القوى التي حققت النصر واستعادت الثورة في 30 يونيو. وبدون ذلك سوف نجد أنفسنا بعد شهور قليلة، أمام برلمان يمثل كارثة إذا سيطر عليه أعداء الثورة، وأدخلوا مصر مرة أخرى في صراع لا يمكن تحمل تكاليفه.