لأسباب كثيرة قد تكون معركة الرئاسة في مصر محسومة بالفعل لصالح المشير عبد الفتاح السيسي. ولعل آخر تلك الأسباب هو انفجار الموقف في دولة ليبيا الشقيقة لتذكر المواطن المصري بحجم الخطر الذي يحاصر مصر من كل الجهات، ومدى الحاجة لجهد أمني خارق وقيادة قادرة على حسم المعركة ضد الإرهاب في الداخل والخارج.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند اليقين الذي تأكد لدى القيادة المصرية في الشهور الأخيرة بأن الخطر الأكبر هو القادم من الحدود الغربية مع ليبيا.

فبعد سقوط حكم الإخوان الفاشي كان التصدي الناجح من جانب القوات المسلحة المصرية لجماعات الإرهاب في سيناء، خصوصاً بعد تدمير الأنفاق مع غزة، وبعد استعادة أجهزة الأمن لقدراتها المعلوماتية.

لكن الموقف على الجبهة الغربية مع ليبيا كان مختلفاً. حيث الحدود مفتوحة وتدفق السلاح من ترسانة القذافي التي استولت عليها العصابات الإرهابية أغرق مصر بطوفان من الأسلحة المتطورة التي تم تهريبها عن طريق الحدود.

طوال الشهور الماضية كانت القاهرة تعطي الأوضاع على حدودها الغربية أكبر الاهتمام. السيسي وهو وزير للدفاع زار المنطقة أكثر من مرة، وأنهى أوضاعاً كانت محتقنة بما فيها الأزمة حول موقع «الضبعة» المخصص لإنشاء المحطات النووية.

وفي الوقت نفسه كان يتم تأكيد التواجد العسكري والمدني في منطقة «حلايب وشلاتين» على الحدود مع السودان، وتهريب الأفراد الذين يتم تجميعهم وتدريبهم سواء في ليبيا أو السودان للزج بهم في المعركة ضد النظام في مصر. تعلمنا دروس التاريخ أنه لا يمكن لنظام يعادي مصر أن يبقى في السلطة على حدودها، ولهذا كان جوهر المعركة (قبل الثورة وبعدها) هو إخضاع مصر، لأنها حين تسقط في قبضة «الإخوان» فإن المنطقة العربية كلها ستسير في الطريق نفسه.

ولهذا أيضاً كان الجنون الذي انتاب بعض القوى العالمية والإقليمية بعد أن أسقط شعب مصر في 30 يونيو حكم الإخوان الفاشي، لأن ذلك كان يعني أن المخطط كله قد فشل، وأن 30 يونيو لابد أن تتكرر في أكثر من قطر عربي ليتحرر من المؤامرة، ومن سيطرة «الخوارج الجدد» من «الإخوان» وحلفائهم.

مصر بالطبع حريصة على عدم التدخل المباشر في الصراع الدائر في ليبيا أو في السودان، ولكن الأوضاع في القطرين الشقيقين تفرض نفسها على كل ما يجري في مصر، بما في ذلك انتخابات الرئاسة التي تجري غداً بينما الأوضاع تلتهب على كل حدود مصر، بينما «الإخوان» تؤدي «الحركة الأخيرة» في استعراض الموت لتنظيم عاش على الإرهاب، ولا يريد أن يرحل إلا بالدم!! مثلما فرض الإرهاب الداخلي نفسه كعامل مؤثر في كل ما يجري بمصر بما فيها انتخابات الرئاسة، تفرض الأخطار الخارجية نفسها على الموقف، وتجعل من حظوظ المشير السيسي أكبر باعتباره الأقدر على مواجهة هذه الأخطار الداخلية والخارجية.

ومع ذلك لا ينبغي مطلقاً أن نقلل من دور المرشح الآخر حمدين صباحي الذي أثرى المنافسة حول الرئاسة، وجعلها أكثر تعبيراً عن مصر بعد 30 يونيو. سواء بالتنافس الديمقراطي الحر، أو بجعل المعركة تنافساً داخل الثورة لا خارجها.

كان دخول حمدين صباحي للمعركة هو الذي منح المنافسة الجدية المطلوبة، وجعل الأمر يتحول من شبه استفتاء إلى انتخابات حقيقية يعبر فيها حمدين عن قطاعات واسعة ويبدو هو الأقرب إلى طموحات الشباب، دون إهمال لكل المخاطر التي تحيط بالوطن.

وكان تقدم حمدين صباحي كمنافس «حقيقي» في انتخابات الرئاسة مؤشراً إلى أمرين مهمين: أن العدالة الاجتماعية ستكون محوراً أساسياً في معركة الرئاسة وفي برامج المرشحين، وأن أي إهمال لهذا البعد المهم يعني الفشل الكامل في الاقتراب من مواطن ثار مرتين حتى الآن. أن البعد العربي سيكون محوراً أساسياً في تحديد مستقبل مصر، مثلما كان دائماً في عصور النهوض القومي.

وهكذا رأينا المرشحين المتنافسين يقدمان اقتراحات واجتهادات في هذا السبيل، ووجدنا المشير السيسي يؤكد أن تدخل مصر لحماية أي قطر عربي يتعرض للعدوان لن يستغرق إلا «مسافة السكة» إذا أضفت إلى ذلك، تمسك المرشحين بالاستقلال الوطني بكل ما تعنيه الكلمة.

وحتى إذا كان للسيسي هنا فضل التأكيد على استقلال القرار الوطني وهو في السلطة متحدياً القوة الأعظم في العالم حتى الآن، وملقناً أميركا درساً كانت قد نسيته.. مع ذلك يبقى لوجود حمدين صباحي في المنافسة فضل التأكيد على هذه المعاني واعتبارها أسساً لا ينبغي التفريط فيها مهما كانت الظروف.

ولك يا عزيزي القارئ أن تتصور كيف كانت ستدور المعركة لو أن المنافس للمشير هو واحد من المتاجرين بالدين، أو المتلاعبين بالليبرالية.. هل كانت هذه القيم التي نتحدث عنها ستكون هو محور الحديث في معركة الرئاسة؟! هل كانت العدالة الاجتماعية، أو التضامن العربي الحقيقي، أو الاستقلال الوطني سيكون هو أساس المعركة وجوهرها.. أم أننا كنا سنواجه معركة ضد الجهالة التي لا تعترف أساساً بالديمقراطية، ولا تعترف بالعدل الاجتماعي إلا باعتباره تقديم الرشاوى الانتخابية، وتتصور أن الاستقلال الوطني بدعة والحديث عن المساواة وعدم التمييز ضلالة؟! قد تكون المنافسة علي الرئاسة في مصر محسومة، ولكن يبقى أن الديمقراطية تسجل انتصاراً، وأن التنافس كان حول الغد وليس حول العودة للعصور الوسطى.