أهمية المعرفة

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل بالإمكان معرفة ثقافة وجذور الشعوب الأخرى غير العربية وحتى الإسلامية من خلال القراءة والإطلاع على أنماط مختلفة من ثقافتها؟ أم أن ما يكتب قد يكون جزءاً بسيطاً من المعرفة؟، وعليه فإن ذلك يشبه بأولئك الذين فقدوا نعمة البصر واعتمدوا على اللمس فقط، وفي هذه الحالة يعتقد كل منهم أنه يرى بعقله الكل على حين أن ذلك غير حقيقي.

ومن الملفت للنظر أن بعض من يعتقد أنه مثقف وذو علم أنه يفتي في كل القضايا سواء السياسية أو الاجتماعية وحتى الاقتصادية وكأنه عالم زمانه والذي لا يستطيع أن يقول لا أعلم، اعتقاداً منه أن ذلك يقلل من قيمته الاجتماعية وربما العلمية، إلا أن التمادي بمعرفة كل شيء يجعل المستمع أو المشاهد له يعيد حساباته في تلك الشخصية العامة حينما يدرك أنه مدعٍ. إن ازدحام الفضاء الإعلامي بالعديد من المحطات، سواءً أكانت تابعة للدول أم القطاع الخاص زاد من الطين بلة، فهي بحاجة إلى سد ساعات البث بكل الوسائل.

أكد تطور العلوم سواءً الإنسانية أو الإجتماعة أو الفنية البحتة (مثل الرياضيات والجبر) أنها قد تشعبت إلى العديد من الفروع، فعلى سبيل المثال فإن علم الاجتماع بات عميقاً وذي تخصصات عدة منها السياسي والاقتصادي والمعرفة وغيرها من التخصصات، حتى أنك تجد في الدولة المتقدمة علمياً كليات لعلم الاجتماع وبها المئات من المتخصصين المختلفين في تخصصاتهم، ولملاحظة ذلك ما عليك إلا أن تشارك في المؤتمر الدولي لعلم الاجتماع والذي يعقد كل سنتين في كل مرة في دولة من الدول، ولا يقل عدد المشاركين فيه عن خمسة آلاف عالم أو متخصص، وتحرص تلك الدول على المحافظة على استمرارية تلك الكليات والأقسام على حين أن بعض الدول وللأسف الشديد لا تدرك أهمية وحيوية هذا التخصص، وبالتالي تغلقها لتوفير المصروفات المالية، وهذا القرار بحد ذاته يكلفهم الملايين فيما بعد.

ففي اليابان على سبيل المثال تحرص تلك المؤسسات العلمية على استقطاب المتخصصين من كل أنحاء العالم، ومن مختلف التوجهات الإيديولوجية، ومن دون أية تحفظات، إنما المهم أن يكون ذا علم واسع ومتشعب في مجاله، مع العلم أن هنالك العديد من المدارس الفكرية في علم الاجتماع، وما زالت موجودة بالرغم من ما كان يسمى بانتهاء عصر الإيديولوجية حيث إن ذلك الإعلان في الحقيقة هو ترسيخ لوجود توجه يحاول دحض الآخر، وهي أطروحات فوكو ياما المعروفة.

ومن هنا فإن الإيديولوجية قد تصاب ببعض الأمراض، إلا أن علاجها يتم بمعرفة أسبابها، وتجاهلها لا يعني الغناء لها، فهي قد تكون في مرحلة الكمون أو الصمت في أحسن الحالات، لكنها موجودة في العقول وبين دفات الكتب، بل هنالك من لا يتخلى عن معتقداته مهما كانت الظروف.

إن الأمم الحية وذات الإصرار على الحياة، تقاوم بكل الوسائل أدوات النفي والتهميش والإقصاء وطمس المعالم وتصر على التحدي، أليست المحاولات من جهات عدة لإقصاء وطمس الأمة العربية منذ عشرات السنين قد باءت بالفشل الذريع، وها هو الشعب العربي أو كما يطلق عليها أحياناً الشعوب العربية وقد تجمعت وقت الأزمات، لكن على ما يبدو أنه لم يحن الوقت لعودة الحياة والوجود لهذه الشعوب لتسترد مكانتها بين شعوب العالم، وخاصة بعدما أصيب مشروع الإسلام السياسي الفاشل بالسكتة الدماغية، حينما ابتعد أصحابه عن روح الدين السمح الذي يحترم كل الديانات والفرق، ولنا أن نتذكر موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند فتح القدس.

علينا أن نعرف الآخر من خلال ثقافته ومساهماته في الحضارة الإنسانية أياً كانت صغيرة أو كبيرة، حديثة أو قديمة.

طباعة Email