كان لافتاً أن واحداً من أهم وأخطر القرارات التي اتخذها المشير السيسي قبل ترك موقعه في قيادة الجيش المصري للترشح للرئاسة هو القرار الخاص بإنشاء "قوات التدخل السريع" التي تضم وحدات من مختلف أسلحة الجيش لكي تقوم بالمهمات العاجلة في مواجهة أية أخطار محتملة، ولحسم المعركة ضد جماعات الإرهاب التي تشن حرباً قذرة ضد مصر وشعبها وجيشها.

الإشارة كانت واضحة بأنه لا هوادة في مطاردة عصابات الإرهاب حتى استئصالها تماماً من أرض مصر.

ورغم التأكيدات المستمرة على أن المهمة الأساسية لهذه القوات هي "الدفاع" عن أمن مصر وحماية حدودها، إلا أن الرسالة وصلت عبر الحدود إلى حيث جاء الخطر في الفترة الماضية إلى سيناء عبر أنفاق غزة أو سواحلها، وإلى المناطق الشرقية من ليبيا حيث تدفق السلاح إلى داخل مصر بعد أن استولى الإرهابيون على ترسانة الأسلحة التي كدسها القذافي، وإلى الجنوب توفر ممر لعبور السلاح من السودان الذي تسوده الصراعات وحروب القبائل.

بعد أيام من إعلان تشكيل "قوة التدخل السريع" المصرية، بدأت محاولات مجموعة تحاول تسليط الأضواء على ما أسموه "جيش مصر الحر"، وهو تعبير كنا قد سمعناه على منصة رابعة في محاولات تخويف الملايين التي خرجت لإسقاط حكم الإخوان الفاشي، وكانت الإشارة يومها إلى ما يجرى في سيناء باعتباره مقدمة لتحويل مصر إلى سوريا أخرى، كما هدد أيامها "شبيحة" الإخوان الذين يحاكم بعضهم الآن على الجرائم التي ارتكبها في حق مصر.

الآن يجري الحديث عن هذا "الجيش الحر" المزعوم بعد تلقي الضربات الموجعة في سيناء، ومع تصاعد الأنباء عن تدريبات تجرى في معسكرات بشرق ليبيا لإرهابيين يبدو المؤكد حتى الآن ما يلي:

إن هناك بالفعل عناصر تنتمي للقاعدة ولجماعات أخرى متطرفة يجري تدريبها في معسكرات في هذه المنطقة. وأن العدد يصل إلى بضع مئات يحظون بدعم من التنظيم الدولي للإخوان وتنظيم "القاعدة" وتفرعاته.

وأن المنطقة كلها تقع تحت سطوة صراعات العصابات المتناحرة أو القبائل المختلفة، مع تشجيع أطراف دولية وإقليمية وعربية لتكريس واقع الانفصال عن ليبيا الموحدة، لتتم السيطرة على الثروة البترولية من ناحية، ولتوظيف شرق ليبيا لتهديد مصر من ناحية أخرى.

الحديث عن "جيش مصري حر" هو مجرد وهم في مواجهة أقوى جيوش المنطقة وأكثرها استقراراً ووطنية. ومع ذلك فلا ينبغي التهوين من خطر وجود قواعد لتدريب الإرهابيين على حدود مصر التي لا يمكن أن تنتظر حتى يتكرر ما حدث من قبل في سيناء.

يستدعي الانتباه دخول دوائر أميركية على الخط بنشر تقارير مشبوهة تحاول التضخيم من هذه الظاهرة وتصوير ما تطلق عليه "جيش مصر الحر" بأنه الخطر الأكبر المقبل على النظام الجديد في مصر.

وهو ما أثار العديد من التساؤلات عما إذا كان الهدف هو تحويل الأنظار عن الخطر المقبل من سيناء أو الإعداد للخطر الجديد المقبل من الغرب؟! ويستدعي الانتباه أيضاً أن ذلك ترافق مع الانتقال الهادئ والطبيعي للقيادة في القوات المسلحة المصرية بعد استقالة السيسي تمهيداً للترشح للرئاسة، وبعد تولي الفريق أول صدقي صبحي قيادة الجيش ووزارة الدفاع، واستمراره في الاستراتيجية نفسها في مواجهة الإرهاب وفي دعم الاستقرار، وربما بنزوع أقل للظهور السياسي مع وجود السيسي في مقدمة المشهد تمهيداً لتولي رئاسة الدولة.

كان لافتاً أيضاً أن ترافق ذلك كله مع إعلان موسكو أن الطريق أصبح ممهداً لإبرام صفقة توريد عشرين طائرة من طراز"ميج 35" العالية الإمكانيات، وهي أول صفقة كبيرة في هذا المجال بعد سنوات طويلة من القطيعة، وهي أيضاً إعلان بأن زمن السيطرة الأميركية على التسليح الأساسي لجيش مصر قد انتهى، وأن تنويع مصادر السلاح لم يعد شعاراً فقط، بل أصبح برنامجاً يجري تنفيذه.

هو أمر تعرف واشنطن عواقبه المهمة على موازين القوى في المنطقة.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أمرين: الأمر الأول هو صفقة السلاح الشهيرة بين مصر عبد الناصر والسوفييت عام 1955، وما كان لها من آثار خطيرة على وضع أميركا في المنطقة.

والأمر الثاني أن أحد شروط الدعم الأميركي لوصول الإخوان لحكم مصر كان الحفاظ على التسليح الأميركي والعقيدة العسكرية في جيش مصر! حصيلة ذلك كله كانت في واشنطن هذا الأسبوع، حيث ذهب مدير المخابرات المصرية إلى هناك لمباحثات مهمة كان من بينها اللقاء مع وزير الخارجية كيري.

وأعقبه وصول وزير الخارجية المصرية نبيل فهمي في زيارة تفتح أبواباً كانت مغلقة، وكان الأهم أن ترافق ذلك مع الإعلان عن قرار أميركا بتسليم عشر طائرات من طراز "الأباتشي" التي كانت قد امتنعت عن تسليمها بعد ثورة 30 يونيو، والتي تحتاجها القوات المصرية في عملياتها ضد فصائل الإرهاب.

والتي ستمثل بالقطع جزءاً من "قوة التدخل السريع" المصرية التي يعرف الجميع أن ذراعها ستطول كل من تسول له نفسه أن يهز استقرار مصر وأمنها.

مشكلة "الإخوان" أنهم لم يدركوا أننا في عصر يتم اللعب فيه على المكشوف، لم يعد ممكناً أن تغتال سياسيين وقضاة ورجال أمن وأصحاب رأي، ثم تقول إن ذلك تم عن طريق السهو أو الخطأ.

ولم يعد ممكناً أن ترتكب فعل الخيانة لسنوات طويلة، ثم تبرر ذلك بأنه تم عن طريق حسن النية، أو لخدمة الإسلام، ولم يعد ممكناً أن تعلن الحرب على كل المسلمين وغير المسلمين لأنك الوحيد المخول بهداية البشر أو تكفيرهم، ولم يعد ممكناً أن تمارس الإرهاب ثم تنجو.

 مصر تحارب الإرهاب وستقضي عليه. ستطارده في الداخل وفي الخارج. وعلى من راهنوا على تكرار تجربة سوريا أن يدركوا فشلهم هناك، وأن يدركوا أيضاً أن مصر التي أدركت منذ قرون أن أمنها القومي يمتد إلى الشام وإلى الخليج ستظل أبداً على هذا اليقين.