قيل الكثير وكتب أكثر حول إمكانية أن تكون الرواية التي أبدعها الكاتب دانييل ديفو حول شخصية روبنسون كروزو، قد استمدت إلهامها الأول من الترجمات غير الملائمة بالمرة إلى اللاتينية ومن اللاتينية إلى الإنجليزية في عام 1719، لكتاب بالعربية يحمل عنوان "حي بن يقظان". وكلا الكتابين تدور أحداثهما في جزيرة صحراوية، وقد اعتبرت "روبنسون كروزو" الرواية الأولى على الإطلاق باللغة الإنجليزية، وكان لها تأثير كبير على الفكر التنويري.

ويبدو أن ترجمة فرنسية دقيقة لـ"حي بن يقظان" قد أنجزها في الجزائر عام 1900 بروفيسور غوتييه. ورغم أن "حي بن يقظان" قد كتبت أصلا في الأندلس، فإن أول ترجمة إسبانية لها لم تنشر حتى عام 1900.

وقد أنجز رياض كوكشي ترجمة إلى الإنجليزية من العربية عام 1982 لدار أوكاغون اللندنية للنشر، وبعد أن قرأت هذه الترجمة الجديدة، أشعر بأنه افتراض معقول تماما أن دانييل ديفو قد استمد إلهام روايته من النص المترجم عن العربية.

هناك تبادل مستمر عبر الترجمة لأعمال الخيال ما بين ثقافة وأخرى، وبخصوص اللغة العربية، فإن الأدب المدون بها قد تم تجاهله إلى حد بعيد، والسبب الرئيسي يعود إلى أن لغة العرب تجمع بين كونها لغة صعبة من ناحية، وخلافا لأي لغة أخرى في الكثير من المجالات التي تخضع للدراسة في المدرسة أو الجامعة، فإن العربية لم تعرف مثل هذا الاهتمام.

 وإذا كان يمكن أن يقال إن اللغة العربية مرتبطة بأي لغة أخرى كان لها دارسوها في تلك الأزمنة، فربما تكون هذه اللغة هي العبرية وما يعرف باللغات السامية التي يمكن أن يقال إن لها أوجه تشابه مع اللغة العربية، رغم أنه يتعين القول إن معرفة العبرية ترتبط بشكل محدود للغاية باللغة العربية.

وبعد أن قرأت عن الأبحاث التي تم بالفعل إنجازها حول موضوع ترجمة كتاب "حي بن يقظان"، وأنه قد تم التوصل إلى ترجمة له من الأصل العربي إلى الإنجليزية، فإنني أذكر مقالا ظهر في مجلة "أور" المنشورة في لندن عام 1982، أشير فيه إلى أنه من المحتمل إلى حد بعيد أن ديفو لدى كتابته "روبنسون كروزو" كان قد تأثر بالترجمة التي أنجزت نقلا عن العربية، للعمل الذي يحمل عنوان "حي بن يقظان".

إن ما قام به ديفو هو بناء قصة حول الحقائق الأساسية التي أشير إليها في الكتاب العربي، وكل ما قام به فعلا هو إسباغ رداء إنساني على القصة الأساسية. والطريقة التي علمنا بها روبنسون كروزو الفتى الذي تبناه، بالتأكيد هي الطريقة الطبيعية التي من شأن إنسان يواجه مثل هذه المهمة اليوم أن يتصرف بها.

ومن المهم أن نلاحظ أنه بحسب ما نعلم، لم يقم أحد حتى اليوم بمحاولة لتصوير البدايات المحتملة لهذا العالم الذي نعيش فيه، ليس عضويا فحسب، وإنما ذهنيا أيضا، منذ الإنسان الأول، على نحو ما نشاهده مثقلا في البشر البدائيين كما صورهم الإنسان الأول الذي وصل عبر ألوف السنين في كل مرة في العديد من الجوانب، إلى مقاربة الإنسان الذي يولد بصورة منتظمة يوما بعد الآخر، والذي تتزايد قواه الفكرية بالتأكيد بمرور الوقت.

والمرء يدرك أيضا أن الطفل الذي يولد اليوم، يحتمل أن تكون لديه عقلية أكثر تطورا، وأن هذا لا يتم تحقيقه من خلال أي تقدم في الطريقة التي تتم تربيته بها، ومن المؤكد أنه لا بد من قبول أن البشر يزدادون نموا على نحو غير ملموس، في القامة وفي القدرة الذهنية. هل يمكن إنكار أن معظمنا اليوم أكثر قدرة من أسلافنا على تملك ناصية لغة جديدة؟

وقد سبقت قصة "حي بن يقظان" كذلك، العمل الذي أنجزه جان جاك روسو بعنوان "إميل"، في بعض الجوانب، وهي أيضا مماثلة لشخصية "موغلي" التي أبدعها روديارد كيبلنغ، في روايته لتشمل "كتاب الأدغال"، ويحتمل أن كلا من روسو وكيبلنغ قد تأثرا بـ"حي بن يقظان".

وهكذا نجد أن العديد من الكتاب المميزين قد تأثروا بالعمل العربي البديع الذي يحمل عنوان "حي بن يقظان"، والذي كان أيضا أساسا للرواية التي كتبها ديفو بعنوان "روبنسون كروزو".