كنت بالأمس القريب أتصفح الأعداد القديمة من مجلة "أور" التي كانت الحكومة العراقية تصدرها، واكتشفت فجأة أن أحد أعداد المجلة يضم مقابلة مع واحد من أشهر كتاب عصره، وهو جبرا إبراهيم جبرا.
لم تذكر المقابلة شيئاً يذكر عن الرجل نفسه، واقتصرت على إلقاء الضوء على آرائه في عدد محدود من الكتاب الذين كانوا يكتبون بالعربية آنذاك. وأتذكر جيداً المرة الأخيرة التي التقيت فيها جبرا، وكنت قد نجحت في الحصول على دعوة موجهة له لحضور مؤتمر أدبي عقد آنذاك في القاهرة.
ومضيت إلى الفندق الذي كان ينزل فيه وسألته: كيف الأحوال في بغداد هذه الأيام؟ لم يحر جواباً إلا بعد أن خرجنا من الفندق، وعندئذ تطلع حوله كأنما ليتأكد من أنه لا أحد يسجل كلماته ممن يعمل لحساب وكالات استخبارات الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.
وعندما أصبحنا في الهواء الطلق، أخبرني بمدى الصعوبة التي غدت عليها الحياة في بغداد تلك الأيام، عندما كان هناك الألوف مستعدين لتقديم تقارير عن أي شخص يظهر أدنى قدر من العداء لصدام حسين والنظام القاسي الذي يرأسه.
قال جبرا: هل يمكنك أن تتصور أن أحد أصدقائي أقنعني بوضع صورة لصدام حسين موضع الصدارة في غرفة معيشتي، ولم أجادله في هذا الاقتراح، لأنني أعرف أن الكثيرين فعلوا هذا كنوع من الضمان لأن لا يظن بهم أنهم لا يحبون الرئيس!
ورغم أنني وجبرا لم نكن نعيش آنذاك في البلد ذاته، إلا أنه كان صديقاً لي منذ زمن بعيد. و
في الحقيقة أدهشني أن أجد خلال عملي في أبوظبي، شاباً قد أقبل إلي وأعرب عن دهشته من أنني كنت أعرف جبرا معرفة وثيقة كل هذا الوقت الطويل، وقال لي: وقد علمت أيضاً أنك في وقت من الأوقات كانت لك صديقة مصرية، وأنك وجبرا مع صديقته الإنجليزية كنتم في ذلك الوقت تقضون الأمسيات معاً، ويبدو أن ذلك كان خلال إقامتكم في إنجلترا.
أدهشني كذلك أن ذلك الشاب أبلغني اسم صديقتي المصرية، وقال إنه قد قرأ هذا كله في كتاب من تأليف جبرا. كانت لدي نسخة من هذا الكتاب الذي ألفه جبرا وكان لي فيه دور بارز، ولذلك أدهشني أن هذا الشاب كان بمقدوره أن يعطيني معلومات عن أشياء كنت قد احتفظت بها سراً.
وعندئذ ابتعت نسخة من الكتاب ووجدت أن جبرا قد كتب بصورة مفصلة عن الوقت الذي مضيت فيه إلى بغداد محاولاً إقناع السلطات العراقية المسؤولة عن هذا المجال، بأن تطبع أوراق النقد العراقية لدى الشركة التي كنت أمثلها، وأتذكر جيداً في ذلك اللقاء في البنك أن رجلين، افترضا أنني لا أعرف اللغة العربية، أحدهما رئيس البنك الذي راح يتحدث عني بلهجة مليئة بالازدراء، بينما أنا جالس أمامه.
وكنت شأن جبرا قد التحقت بالدراسة في جامعة كامبريدج في ذلك الوقت، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أرسل جبرا إلى القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية، لكنه لم يتعايش مع العاملين فيه.
وبدلاً من ذلك انطلق إلى العراق، حيث التحق بوظيفة يعمل فيها في تحرير المجلة التي كانت شركة النفط العراقية تصدرها باللغة الإنجليزية، وكانت هذه المجلة تطبعها شركة صغيرة يديرها يحيى الثنيان الذي أصبح، ويا للغرابة، صديقاً تربطه صلة وثيقة بي، رغم أنه كان على الصعيد السياسي شديد العداء للبريطانيين، وكان أحد القادة المشاركين في انقلاب عسكري ضدهم خلال الحرب.
وقع في يدي بمحض الصدفة خبر في صحيفة عراقية بارزة، يفيد بأن داراً شهيرة في بغداد هي أقرب إلى متحف لفن التصوير العراقي، قد تعرضت للدمار في انفجار غامض. وأوضح الخبر أن هذه الدار كان يملكها في السابق كاتب له شهرته في العالم العربي، باعتباره شاعراً ومؤلفاً للعديد من الروايات التي تحظى بأعظم تقدير، وكانت تلك هي دار جبرا.
خلال الأوقات القلائل التي أمضيتها في بغداد في تلك الأيام، ربطتني أواصر الصداقة كذلك بكاتب شاب يدعى بلند الحيدري، وكما نعرف جميعاً فقد قدر له أن يصبح واحداً من أبرز شعراء العالم العربي، ولدى وفاته كنت واحداً من أكثر من استشعروا الحزن عليه في الدنيا بأسرها.