أوكرانيا ضحية صراع جيوسياسي على النفوذ

المشكلة في سلطة الشعب هي أنها غالباً ما تتسبّب في عواقب غير مرجوّة. يصعب في الوقت الحالي توقُّع تأثير تلك العواقب في أوكرانيا، إلا أنه لا يمكن استبعاد إمكانية اندلاع حرب أهلية، أو اجتياح روسي شامل للجزء الشرقي والجنوبي من البلاد، الذي يُعتبَر موالياً لموسكو. المؤكّد هو أن هذا الصدام بين القوى الكبرى، يجعل عالمنا أقل استقراراً بكثير مما كان عليه، قبل بضعة أسابيع فقط.

يتردّد أن المحتجّين، الذين لا يزالون يمكثون في ميدان الاستقلال في كييف، قلقون من احتمال خسارة شبه جزيرة القرم، وسيطرة روسيا عليها، خلال الاستفتاء المقرّر إجراؤه في 16 مارس الحالي، وتعتبره الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، انتهاكا للدستور الأوكراني والقانون الدولي. وموسكو متلهّفة لاستقبال القرم - التي كانت تابعة للأراضي الروسية حتى عام 1954 عندما وهبها خروبتشوف لأوكرانيا- في "أحضانها" من جديد.

لكن الرئيس الأميركي باراك أوباما يرفض ذلك رفضاً قاطعاً: "نحن في عام 2014، وقد ولّت تلك الأيام عندما كانت الحدود تُرسَم فوق رؤوس قادة الدول الديمقراطية". قد يثير هذا الكلام الاستهجان لدى البعض، فالقيادة المؤقتة في أوكرانيا لم تُنتخَب بطريقة ديمقراطية، ولا تمثّل السكّان الذين يتحدّرون من أصل روسي وأولئك الناطقين بالروسية في البلاد. فضلاً عن ذلك، فقد شجّعت الولايات المتحدة أحياناً النزعات الانفصالية، بما في ذلك تقسيم يوغسلافيا، وانشطار السودان إلى دولتَين.

إنها لعبة غالب ومغلوب، بالنسبة إلى كل الفرقاء المتورّطين فيها. يأمل الأوكرانيون أن يشكّل توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي ضمانة لتحسين معايير العيش، لكن عليهم أن يتحلّوا بالصبر في هذا الإطار، فبلدهم مفلس ويحتاج إلى 35 مليار دولار أميركي خلال السنتَين المقبلتين، لتسديد فواتيره.

لقد عرضت الولايات المتحدة ضمانات قروض بقيمة مليار دولار، ويبدي الاتحاد الأوروبي استعداداً لضخ 15 مليار دولار على شكل قروض وهبات، شرط توقيع اتفاق بين كييف وصندوق النقد الدولي، الذي يُصرّ على وجوب إجراء إصلاحات اقتصادية جذرية.

سلّط المساعد السابق لوزير الخزانة الأميركي بول كريغ روبرتس، الضوء على تقرير نُشِر في صحيفة "كومرسانت" الأوكرانية، حول مطالب صندوق النقد الدولي، فقد كتب "ستؤدّي خطة التقشّف إلى خفض الخدمات الاجتماعية، وتمويل التعليم، وتسريح الموظفين الحكوميين، وتراجع قيمة العملة، بما يتسبّب في ارتفاع أسعار الواردات التي تشمل الغاز الروسي، وبالتالي ارتفاع كلفة التيار الكهربائي، ويجعل الأصول الأوكرانية عرضةً للاستيلاء عليها من جانب الشركات الغربية، وبهذا تتكرّر التجربة اليونانية من جديد"، وتبدو وكأنها وصفة حتمية للاضطرابات الأهلية.

لا يملك الاتحاد الأوروبي الموارد الضرورية لدعم أوكرانيا في المدى الطويل، ولذلك بإمكان بوتين أن يكتفي بالجلوس ومشاهدة التيّار ينقلب لمصلحة روسيا، ما إن يجد مؤيّدو الاتحاد الأوروبي الحاليون أنفسهم يرزحون تحت وطأة ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضرائب، وانتشار البطالة.

ومن جهته يبدو البيت الأبيض وكأنه يسجّل هدفاً في مرماه، من خلال التهديدات التي يطلقها بعزل روسيا اقتصادياً. لقد أصدر الرئيس أوباما قراراً تنفيذياً بتجميد الأصول التي يملكها أفراد روس وأوكرانيون في الولايات المتحدة، فضلاً عن حظر منح تأشيرات دخول للروس والأوكرانيين، وشدّد على عدم وجود أي خلاف بين واشنطن وبروكسل حول الحاجة إلى الضغط على الرئيس بوتين لتغيير مساره، لكن هذا ليس صحيحاً!

يحاول قادة الاتحاد الأوروبي أن يُظهروا أنهم جبهة موحّدة، لكن الواقع هو أن هناك انقسامات بينهم، فبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تستطيع تحمُّل التداعيات التي يمكن أن تترتّب عن انتقام موسكو من العقوبات الغربية. يعد المشرعون الروس مشروع قانون يُجيز مصادرة الأصول الأميركية والأوروبية، وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يعتمد فقط على الطاقة الروسية، بل هو أيضاً الشريك التجاري الأكبر لروسيا؛ فنحو 41% من مجموع التبادلات التجارية للاتحاد الأوروبي يتم مع روسيا.

وفي هذا السياق، تعاني ألمانيا على وجه الخصوص من الهشاشة، كونها تعوِّل على روسيا للحصول على 60% من احتياجاتها من الغاز، ويعمل نحو 6200 شركة ألمانية على الأراضي الروسية، حيث تُقدَّر قيمة استثماراتها بـ20 مليار يورو، علاوةً على ذلك، أسهمت التجارة مع روسيا في استحداث 300 ألف وظيفة في ألمانيا.

وتتردّد بريطانيا أيضاً في مصارعة الدب. يحلو لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون أن يتكلّم بلهجة حازمة، لكن تكشف وثيقة صُوِّرت في يد مسؤول رفيع المستوى في الإدارة البريطانية، عن حكاية مختلفة، فقد ورد فيها "على المملكة المتحدة ألا تدعم في الوقت الحالي العقوبات التجارية، أو تُغلق المراكز المالية في لندن أمام الروس، وعليها الحؤول دون حدوث أي نقاش عن شن عمليات عسكرية طارئة". ويستثمر الروس مبالغ طائلة في سوق العقارات في لندن، فقد أنفقوا 500 مليون جنيه إسترليني في العام الماضي وحده، وإذا فُرِضت عقوبات على الروس في بريطانيا، فقد لا تعمّر فقّاعة العقارات طويلاً.

أظن أن بوتين يرى في الحلفاء الغربيين دباً من ورق؛ يجأر بقوة لكنه لا يستطيع أن يعضّ.

إذا كان الأوكرانيون الذين يميلون نحو أوروبا، يعتقدون أن الغرب سيضمن سلامة أراضيهم ويرصف شوارعهم بالذهب، فهم واهمون. نصيحتي إليهم هي عدم التعويل على الوعود الفارغة، التي يطلقها كيري وسياسيو الاتحاد الأوروبي و"حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، فالمصالح الخاصة للدول الغربية ستتفوّق دائماً على هموم الناس.

ليست للسباق بين روسيا وأوروبا علاقة كبيرة بالتطلّعات الأوكرانية، إنه في الجوهر شدّ حبال جيوسياسي، يعود إلى زمن العداوات التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة. إنها معركة لجسّ النبض ومعرفة من هو الطرف الذي ستخبو عزيمته أولاً. يلجأ الفريقان إلى الاستقواء والتصعيد، ولا يبدي أيٌّ منهما استعداداً للتخفيف من حدّة التشنّجات.

لن تنفع العصي والحجارة في دفع بوتين نحو الإذعان، بل يمكن أن يكون للتهديدات والعقوبات تأثير معاكس.. لا وجود للهزيمة في قاموس بوتين. لقد أدّى التدخل العسكري الروسي في جورجيا عام 2008، إلى وضع جمهوريتَي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المنفصلتَين عن جورجيا، تحت السيطرة الروسية التي لا تزالان تخضعان لها حتى اليوم. وثمة إجماع عام بين المحللين، على أن بوتين سينجح في السيطرة على القرم.

قال رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي مايك روجرز: "أظن أن بوتين يلعب الشطرنج، في حين نلعب نحن بالكِلّة، لا مجال حتى للمقارنة". يوافقه دونالد ترامب، فهو يأسف لتراجع السلطة الأميركية في العالم، ملقياً اللوم في ذلك على "القيادة الضعيفة والمثيرة للشفقة".

لست أصطفّ إلى جانب بوتين، فأنا أعارض سياساته معارضة تامة، لكنني أحترم حزمه في اتخاذ القرارات وقدرته على الصمود. بوتين رجل قرار، وهذه سمةٌ يفتقر إليها عدد كبير من القادة في عالمنا اليوم.

العبرة التي نستمدّها من هذه الأحداث، هي أن بإمكان القوى الكبرى المسلّحة نووياً أن تتسبّب في إشعال ثورة، وأن تجتاح دولاً وتعيد ترسيم حدودها، في أي مكان في العالم وفي أي وقت، دون أن تترتّب على ممارساتها أي تداعيات خطرة عليها. من الواضح أن مبدأ "القوي على حق" لا يزال حياً ومنتشراً في القرن الحادي والعشرين، وهذه الفكرة كافية لتجعلنا جميعاً نرتعد خوفاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات