قبل أيام من رحيل الحكومة المصرية السابقة، التقيت رئيسها الدكتور حازم الببلاوي. بدا لي الرجل غير مرتاح والمشاكل تحاصره. قال لي بصدق إنه مؤمن بأن ما اتخذه من قرارات كان صحيحاً في مجمله. ويبدو أنه كان بذلك يرد على من اتهم بالتأخر في بعض القرارات (مثل فض اعتصام رابعة والنهضة) أو التعجل في بعضها (مثل قانون التظاهر أو الحد الأدنى). وقد كان الببلاوي هو المرشح الأول لرئاسة أول حكومة بعد ثورة يناير، وكان الكثيرون يرون أنه وجه مقبول وبعيد عن الفساد ولم يدخل في خصومات سياسية شديدة قبل ذلك.
لكن تعذر الاتصال به لوجوده خارج مصر. وقد عاد الببلاوي بعد ذلك وقبل أن يكون نائباً لرئيس الوزراء ومسؤولاً عن المالية، واتخذ عدة مواقف مستقلة ومعارضة لأحداث مثل "ماسبيرو" وغيرها، ثم ترك المنصب الوزاري وسجل تجربته القصيرة في كتاب إعلاناً عن عدم نيته العودة لها خاصة وقد بلغ يومها الخامسة والسبعين من عمره. لكن.. بعد أن استعاد الشعب ثورته وأسقط حكم الإخوان الفاشي في 30 يونيو، حدثت المفاجأة وعاد ليكون رئيساً لحكومة الفترة الانتقالية الجديدة بعد الكثير من الجدل.
حيث كانت الأنظار تتجه أولا لأن يكون رئيس الحكومة وجهاً شاباً، وجاء تكليف الببلاوي برئاسة الحكومة التي كان أبرز ملامحها الجمع بين أغلبية من الوزراء "التكنوقراط" مع بعض الوزراء السياسيين الممثلين لعدة تيارات كانت أساس مقاومة حكم الإخوان.. تشكيل الحكومة بهذا الشكل أفقدها الكثير من الانسجام والحسم في وقت كانت البلاد ومازالت- تواجه حرباً حقيقية من ارهاب يقوده الاخوان، ومن محاولات متعمدة لتخريب الاقتصاد وضرب السياحة وإشاعة الفوضي.
ومع غياب نظرة واضحة للتعامل مع المشاكل أصبح الأمر اجتهاداً فردياً للوزراء. واتسعت الفجوة التي كان الاخوان وحلفاؤهم على استعداد لاستغلالها بإثارة الاضطرابات الطلابية ثم الفئوية. وهكذا جاء القرار "المفاجئ" بضرورة التغيير الوزاري، وأبلغ الرئيس المؤقت القرار للببلاوي الذي أعلن استقالة حكومته، في الوقت الذي كان خليفته المهندس إبراهيم محلب وزير الإسكان السابق قد بدأ العمل على تشكيل الحكومة الجديدة!
والمهندس محلب طاقة إدارية هائلة. تسلم قيادة شركة "المقاولون العرب" قبل سنوات وهي في حالة سيئة للغاية، فاستطاع النهوض بها واستعادة مكانتها وتوسيع نشاطها، ثم غادرها بعد أن قرر "الإخوان" السيطرة عليها وتعيين قيادة إخوانية لها، ومع نهاية الكابوس وسقوط حكم الإخوان عادت الشركة لقياداتها الحقيقية، وعاد محلب ليكون وزيراً ناجحاً للإسكان في حكومة الببلاوي، ثم ليخلفه في موقعه.
الحكومة الجديدة خرجت منها كل الوجوه السياسية، ربما باستثناء وزير الاستثمار والتجارة منير فخري عبد النور (حزب الوفد).
باقي الوزراء السياسيين خرجوا.. ربما لمنع الحرج في انتخابات الرئاسة القادمة خاصة مع ترشح حمدين صباحي، وربما أيضاً لإبعاد الخلافات الحزبية عن قرار الحكومة التي يبدو أن مهمتها الأساسية (بجانب استعادة الأمن وضرب الإرهاب) هو تحريك ماكينة الإنتاج المعطلة، وتحسين الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين في المجالات المختلفة، ومحاصرة موجة الاحتجاجات الفئوية. الحكومة الجديدة حكومة تكنوقراط بشكل كامل. وهي قد تصلح في فترات الانتقال وقبل الانتخابات لضمان الحياد.
وقد تكون أكثر قدرة على الإنجاز والتنفيذ على الأرض، ولكن المشكلة التي تواجهها هي، أي سياسات ستنفذها بالكفاءة التي تعمل بها، ومن الذي يضع هذه السياسات ؟! مثل هذه الحكومات تتواءم مع النظام الرئاسي أكثر.
حيث يكون مركز القرار السياسي في رئاسة الدولة، وتصبح الحكومة هي أداة التنفيذ التي تلتزم بالقرار وتحوله إلى برامج عمل تقوم بتنفيذها.
مركز القرار السياسي الآن غائب. وربما يكون الأمر مرتباً لما بعد الانتخابات الرئاسية حيث يكون الرئيس القادم هو صاحب القرار، وإن كان ذلك يستوجب أن تكون هناك "مؤسسة" رئاسية تملك من المستشارين الأكفاء في كافة المجالات ما يمكنها من رسم السياسات واتخاذ القرارات الأساسية.
لكن هذا التصور سيواجه اختباراً بعد انتخاب البرلمان الذي سيكون شريكا في اختيار رئيس الوزراء الذي سيتمتع بدوره باختصاصات أكبر بحكم الدستور الجديد الذي يجعل الحكم "شبه رئاسي" ويقتطع من سلطات الرئيس التي كانت موجودة في الدستور السابق.
معنى هذا.. ان هذه الحكومة قد تكون هي الأصلح في الفترة ما بين انتخاب الرئيس القادم، وحتى انتخاب البرلمان الجديد.. وبعدها يكون لكل حادث حديث كما يقال، لكن ماذا عن الفترة من الآن وحتى انتخابات الرئاسة؟ ومن الذي يحدد سياسات الحكومة وأين مركز القرار السياسي في هذه الفترة الدقيقة؟
قد يكون قرار إنشاء مجلس الدفاع القومي خطوة لملء هذه المساحة، حيث يتشكل المجلس برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيس الحكومة ووزيري الدفاع والخارجية وعدد من قادة الأجهزة السيادية. وقد يكون وجود أدوار أكبر لشخصيات مثل عمرو موسى وهيكل في تحديد السياسات ورسم الاستراتيجيات أمراً حيوياً لعبور هذه الفترة الدقيقة.
ويبقى أن الحملة قد بدأت مبكراً للهجوم على رئيس الحكومة الجديدة واتهامه بأنه من فلول النظام السابق.. الخ. وأنا أعرف الرجل من سنوات، واعرف أنه لم يكن له هدف لسنوات عديدة إلا إنقاذ الصرح الاقتصادي الكبير الذي يقوده وهو "المقاولون العرب". واعرف كم الضغوط التي تعرض لها ليكون جزءاً من فساد لا يقبله، أو ليخدم سياسات لا يرضاها ضميره.
لم يكن الرجل مناضلاً سياسياً ولم يزعم ذلك، لكنه نموذج رائع للإدارة الوطنية المصرية الحريصة على تنمية مستقلة. حكومة محلب في اختبار صعب.
والحساب ينبغي أن يكون على من يرسم السياسات ويتخذ القرار.. على الأقل حتى تتم انتخابات الرئاسة وتتحدد المسؤوليات. لكن المؤكد أن مصر على الطريق الصحيح، تبحث عن الأمثل وتسعى إليه. الببلاوي نفسه قال عن الاستقالة: لم نكن الأفضل، ولكن تحملنا المسؤولية. له العذر ولمن يتحمل المسؤولية في هذه الظروف الصعبة كل التقدير.