أصدقاء لا يمكن نسيانهم

حينما يفقد الإنسان أصدقاء أو أخوة أعزاء من مراحل عمره المختلفة، حين ذاك تحل عليه الكآبة والحزن، وربما اليأس من الحياة، إلا أن آثارهم وذكراهم العطرة وعطاءهم للوطن يخفف من كل ذلك.

إن أولئك الأفراد هم جزء مهم من حياتك، وكم تتمنى لو أنك اتخذت القرار الصائب حين ذاك، لربما تغير مساء أولئك الأعزاء، د. علي ناصر السويدي كان معي في تلك الشقة في العين، حينما قرر أن يذهب في تلك الليلة إلى خورفكان، فقد كان مشتاقاً إلى أهله، ووصف لي كيف يمكن أن يمضي وقتاً ممتعاً معهم، وبعد مغادرته حين ذاك غالبني النوم، ومع إطلالة الفجر اتصل بي أحد الأصدقاء لينزل علي الخبر كالصاعقة، لقد غادرنا أبو يوسف من هذه الحياة، كان حادثاً قاتلاً، فقد غالبه النعاس وكان ذلك اليوم نهاية حياته الدنيوية.

كان علي ناصر محباً للحياة، ذا صفة مميزة في حياته، وقد مر بتجارب حياتية عديدة ومتنوعة، سواء في الإمارات أو في أم الدنيا مصر حينما كان طالباً حين ذاك.

تجمع الأصدقاء والأحباب من كل صوب وذهبنا لحضور الجنازة والدفن لإلقاء النظرة الأخيرة على ذلك الإنسان الرائع، هل كانت تلك لحظات وداع أم استمراراً للحياة؟

ومرة أخرى ودعنا إنساناً آخر هو العزيز محمد الزرعوني، الذي قاوم المرض بكل ما يملك من قوة، إلا أن جيوش الموت انتصرت في النهاية، وهكذا غادرنا فارس آخر محب للحياة، كان يعشق الأرجيلة إلى أن انتصرت عليه، ذلك الذي عشق التدخين حتى قتله معشوقه غدراً، كانت الرحلة إلى مدينة العين بعد طول غياب حزينة، لا نريد الوصول إلى ذلك المكان الذي يدفن فيه إنسان لن نراه مرة أخرى، إلا في الخيال أو من خلال الذكريات الجميلة، وهو يدخن الأرجيلة مبتسماً أو فرحاً ومحباً للحياة.

في المكتب الذي أجلس فيه يومياً ما يقارب الخمس أو الست ساعات هنالك صورة أحتفظ بها لإنسان غادر الحياة جسدياً إلا أنه موجود في العديد من الأماكن، مثل اتحاد الكتاب والصحافة الوطنية، وحتى في ربوع الصحراء وعمق الوطن.

أتذكره دائماً في العوير، وفي منزلنا البسيط حين ذاك في الطوار، إنه شعلة من التنوير وحب الوطن والعطاء بلا حدود، لن تستطيع كل القوى أن تزيله من تاريخ الوطن، فهو محب لهذه الأرض والإنسان الذي عاش عليها، إنه غانم غباش، رحمه الله، ومثواه الجنة بإذن الله تعالى.

إن كنا لا نزال نتحدث عمن فارقتنا أجسادهم، إلا أنهم أحياء بيننا بذكراهم وأعمالهم وتراثهم الذي خلفوه لنا بعد رحيلهم، ومنهم محمد بن حاضر، الأديب والإنسان الراقي والذي رحل مبكراً أيضاً، فهو إنسان اجتماعي من الطراز الأول، وله علاقات عديدة لا حصر لها، ولديه العديد من الأصدقاء، سواءً من المواطنين أو الأخوة العرب وغيرهم من الجنسيات المختلفة.

فهل هناك من سيكتب عنه وعن إنتاجه وخاصة في مجال الشعر، قد يقول قائل إن هناك من كتب عنه سواء من أصدقائه أو معارفه، إلا أن إعادة الكتابة قد تضيف جديداً وقد تحمي الذكرى من النسيان.

المرحوم محمد بن حاضر من مواليد 1948، وقد تخرج في جامعة ليدز البريطانية سنة 1970، وعمل في العديد من المؤسسات وخاصة وزارة الخارجية، وهو من المؤسسين لندوة الثقافة والعلوم مع زميله الأستاذ محمد المر.

هذا وقد توفي محمد بن حاضر في يوم الجمعة 8/7/2011، في باريس والتي كان يعشقها، إنها باريس مدينة الحب والغزل والجمال وهي مبعث الأدب والأدباء، والتي لم يكن عشق بن حاضر لها من فراغ، فقد كانت مدينته المفضلة، رحمك الله يا بن حاضر، وإنني على يقين أن ابنه خالد قد قام بالواحب تجاه ذلك الإنسان الرائع.

ومن أولئك الغائبين الراحلين والحاضرين دائماً بذكراهم، أبو محمد صالح العبيدي، والذي قاوم المرض لمدة تقترب من عشرين عاماً، كان صديقه الدائم آلة العود، وهو من يطرب كل من يستمع إلى عزفه، ولعل الأقرب إلى قلبه الأغاني العراقية ذات الشجن الحزين، ومن محاسن تلك المرحلة العلاقة القائمة حتى الآن بين ابني غانم وابنه غسان وأفراد عائلته الكريمة.

وكل أولئك الذين كتبت عنهم في هذه المقالة راحلون عنا لكنهم أحياء في الذاكرة الوطنية للأبد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات