لاشك أن العلاقات المصرية الروسية قد دخلت مرحلة جديدة من التعاون المشترك فاق كل التوقعات. وقد جاءت زيارة المشير السيسي ووزير الخارجية المصرية نبيل فهمي الأخيرة لموسكو لتجسد هذا التطور الذي سيلقي بظلاله على موازين القوى في المنطقة لفترة طويلة، النتائج التي تحققت في زيارة السيسي لموسكو أكبر بكثير مما دارت حوله التكهنات حتى الآن.

وهي تشمل التعاون في كل المجالات، والأهم أنها تنطلق من تفهم كامل من الطرفين لما يريده كل طرف، واحترام كامل لاستقلال القرار الوطني، وتقدير مكتمل للظروف التي تمر بها المنطقة، والمؤامرات التي يجري نسجها، والتهديدات التي تمس أمن مصر وأمن المنطقة، والإيمان بأن مصر القوية المستقرة هي ضمان أمن للمنطقة، وأن ما يهدد مصر والعرب من عصابات الإرهاب والقوى الإقليمية والدولية التي ترعاها يهدد أمن العالم كله دون أي مبالغة.

وعلى مدى الشهور الماضية تواصلت المحادثات بين القاهرة وموسكو وعواصم عربية شقيقة للاتفاق على المدى الذي تتحرك فيه العلاقات المصرية الروسية في الفترة القادمة، خاصة في المجال العسكري.

لتكون زيارة وزيري دفاع وخارجية روسيا للقاهرة في نوفمبر الماضي إشارة إلى النظرة الهامة التي توليها موسكو لهذه القضية، ولتكون زيارة السيسي الأخيرة ومعه وزير الخارجية لموسكو إعلاناً بأن الاتفاق قد تم، وأن مستوى العلاقات سيكون أكبر مما كان متصوراً، وسيشمل كل المجالات بما فيها مجال الطاقة النووية السلمية، بالإضافة إلي صفقات السلاح ومضاعفة التعاون الاقتصادي والسياحي والعلمي.

ولاشك أن الكثيرين يستعيدون الآن ذكريات فترة من التعاون المشترك الهام بين القاهرة وموسكو في الخمسينات والستينات في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

كان فيها "الاتحاد السوفييتي" يومها شريكاً في بناء السد العالي وقلاع الصناعة المصرية الكبيرة، والمورد الأساسي لتسليح الجيش المصري، والحليف السياسي في مواجهة عداء أميركي وغربي معلن ضد مصر التي كانت تقود حركة التحرر والاستقلال في الوطن العربي وافريقيا، والتي كانت تسعى لوحدة عربية رأتها واشنطن ومازالت - خطراً على مصالحها وتهديداً لإسرائيل.

لكن علينا هنا أن ندرك جيداً أن الظروف اختلفت بعد نصف قرن. روسيا ليست هي الاتحاد السوفييتي القديم. ومصر تواجه تحديات مختلفة. والعالم العربي يمر بمرحلة من أخطر مراحله .

والأهم.. أن الحرب الباردة قد انتهت، ولغة المصالح تحكم وتتحكم. لا ينبغي أن نتغاضى عن ايجابيات عديدة يشعر بها المصريون الآن لتجربة التعاون المشترك مع موسكو والتي أثمرت في مجالات عديدة أهمها الصناعة، وبناء السد العالي الذي رفضت أميركا تمويله، ثم التعاون العسكري وإمدادات السلاح التي لم تتوقف حتى بعد أن قام السادات عام 1972 بإعادة الخبراء السوفييت الذين ساهموا في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية بعد هزيمة 67، ليكون العبور في أكتوبر العظيم عام 1973 بسلاح سوفييتي.

ما يحدث الآن- رغم اختلاف الظروف والملابسات هو تكرار للتجربة.. والمشكلة هنا أن هذا التكرار يأتي من أميركا وليس منا، تريد أميركا العملاء ولا ترضي بالحلفاء.

لا تعترف أميركا بعروبة العرب وتصر على أن تتعامل مع الشعوب العربية على انها كيانات منفصلة، وتعتبر أن مصالحها (ومصالح إسرائيل) لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تحول العرب إلى فصائل تتناحر، ولهذا كان لقاء واشنطن مع" الاسلام السياسي" بقيادة من "الاخوان" لأنهم السند ضد العروبة، ولأنهم الاداة لتدمير المجتمعات العربية وقيادتها للاقتتال تحت راية زائفة تزعم انها تنتمي للإسلام.

الظروف تختلف بالقطع عما كانت عليه قبل نصف قرن، ولكن جوهر الصراع مازال كما هو: استقلال القرار المصري وتحرير الارادة العربية لتكون لها الكلمة الأساسية في مصير المنطقة، ولتمنع الصفقات المشبوهة لفرض خريطة جديدة للمنطقة على حساب العرب وخصماً من مصالحهم.

ومع ذلك تبقى حقيقة أن مصر قبل نصف قرن لم تلجأ للسلاح السوفييتي إلا بعد أن أصبحت بين المطرقة والسندان.

أي بين اعتداءات إسرائيلية متكررة، ورفض ومراوغة من أميركا وحلفائها لتزويدها بالسلاح للدفاع عن أراضيها.

وتبقى أيضاً حقيقة أن مصر تعرف الآن جيداً اختلاف الظروف والملابسات، وانها لم تلجأ لتثمين العلاقات مع موسكو من باب "المكايدة" لواشنطن، بل أعلنت منذ اليوم الأول للثورة أنه لا بد من تنوع اختياراتها، وإلا تضع نفسها رهينة لدى أي دولة.

ومن هنا فسوف تشهد الفترة القادمة جهوداً في اتجاهات عدة.. نحو الصين والهند في آسيا، ونحو دول مؤثرة في أميركا اللاتينية مثل البرازيل، وبالطبع نحو افريقيا بعد أن تمر فترة الأزمة الحالية في العلاقات، وتستعيد مصر دورها الأساسي في الاتحاد الافريقي. والكرة الآن في الملعب الأميركي.

ولعل واشنطن تدرك ان العصر الذي كانت تملك فيه 99 % من أوراق اللعبة قد انتهى، وان حربها ضد إرادة شعب مصر التي انحاز لها الجيش المصري الوطني لن تجدي نفعاً، وان رهانها على " الاخوان" وحلفائهم قد فشل، وان أهم تجليات ثورة 30 يونيو أنها استعادت استقلال القرار المصري، وان ما يجرى في المنطقة قد فتح عيون العرب جميعاً على حقيقة ما خسروه حين غابوا عن الفعل، وعلى قسوة المستقبل إذا استمر هذا الغياب.