حينما ينظر كلُّ عاقل منصف إلى الواقع، وما تضمَّنه من مشاهد ومواقف وأحداث، في ما سُمي بالربيع العربي، فإنه يجد من النظرة الأولى، الثمار المرّة التي حصدتها شعوب دول الثورات في مختلف الجوانب، حتى أصبحت المشاهد المؤلمة معلومة لدى الجميع ماثلة للعيان، من تراجع الاقتصاد، وتدهور الحالة المعيشية، وزيادة نسبة الفقر والبطالة، وإتلاف البنى التحتية، ونمو الصراع الطائفي والعدائي، وتشريد الآلاف من المسلمين، وانتشار الأمراض والأوبئة، وإعمال آلة القتل والتدمير التي حصدت الأرواح بدون رحمة، والمخططات الخبيثة التي تريد تفتيت بلدان المسلمين وإنهاك قواها، وإشغالها بالصراعات والنزاعات الداخلية.
فهذا الحصاد المر للربيع المزعوم، لم يقتصر على جوانب محدودة أو سلبيات معدودة، وإنما كان حصاداً مُراً مريراً شاملاً، أتى على المقاصد الكبرى، وأدى إلى المفاسد العظمى، ووضع أمام كل مغترٍّ بالثورات أو داعٍ إليها أو محرِّض عليها، حقيقة واضحة لا يجادل فيها منصف، وهي: أنَّ الثورات ليست طريقاً للإصلاح ولا تأتي بخير، وأنَّ التخلص من الأخطاء أو المشكلات لن يكون عن طريق الهدم والفوضى، وأنَّ البناء إنما يكون بالطرق السّليمة السوية المأمونة، لا بالطرق العشوائية، مهما تزخرفت بشعارات براقة، هي أبعد ما تكون عن العقلانية والواقعية والفكر السليم السديد، ولا بالاحتكام إلى لغة الشارع لفرض رأي على رأي، أو فرض نظام أو إسقاط آخر.
إن استعراض الحصاد المر للربيع المزعوم، والكلام حول النتائج والثمار، ليس من أجل الاستزادة في المعرفة أو توسيع رقعة الاطلاع فحسب، وإنما هو للنظر والاعتبار والاتعاظ، وإعمال الفكر في النتائج والأسباب، وإعلاء صوت العقل والحجة، على صوت العواطف أو الحماسات غير المنضبطة. فما كان اليوم نتيجةً وثمرةً، كان بالأمس سبباً ووسيلة.
ولئن اغترَّ أناسٌ بالأمس لأسباب ظنوها وسائل صحيحة لتحقيق الغايات، فقد رأوا بأعينهم اليوم ما نطق به الحصاد المر من عكس تلك القناعة الموهومة، وحينئذ، فالعاقل المنصف الذي يبحث عن الحق ويدور في فلكه، يعترف على نفسه بالخطأ الكبير في ارتقاء تلك الأسباب الموهومة، بما رأى من سلبيات كبرى ماثلة للأعين، وإن كان الواجب في ذلك كلِّه النظر في الأسباب قبل الاعتبار بالنتائج.
ولئن كان البعض لا يكبح جماحه إلا معاينة النتائج والثمار، وقد يكون ذلك في وقت لا ينفع فيه الندم والتباكي والتحسر، فقد جعل الشرع الحنيف الوقاية خيراً من العلاج، ورسم للناس طرق الإصلاح واضحة كالشمس في رابعة النهار، وحذرهم من نقيض ذلك من الطرائق الخطرة وغير المأمونة، التي تخبِّئ لأصحابها ما لم يكن في حسبانهم من الشرور والفتن.. ومن تلك الطرائق الخطيرة والأساليب السلبية: استعمال قوة الشارع لفرض الآراء، وتنفيذ الأجندات والتصارع على المصالح المتقاطعة.
فمن أهم دروس الربيع العربي المزعوم: اقتناع كل منصف وكل ذي بصيرة، بأن لغة الشارع والاحتكام إليه ليس طريقاً إلى حل المشكلات، بل هو طريق محفوف بالمخاطر والمجازفات، يزيد في تأجيج المشاكل وتأزيم الأوضاع، بل ويسهم في صنع مشكلات أكبر، وأعقد كان الجميع في غنى عنها، ويؤدي بالمتصارعين والمتنازعين في ساحات الشوارع، إلى الدخول في أنفاق مظلمة، أو الضياع في متاهات شائكة، قد لا يستطيعون الخروج منها إلا بتضحيات قاسية وأثمان باهظة، وقد يستمر التصارع والتقاتل والضياع إلى أمد لا يعلمه إلا الله.
وقد يقول قائل: فما هو البديل؟
والجواب بكلِّ وضوح، أنَّ البديل هو مخاطبة العقول والوجدان لإحداث التأثير الإيجابي بما يتفق مع مقاصد الشريعة، والالتقاء على كلمة سواء لحل المشكلات والخروج من الأزمات، والحوار البنَّاء القائم على الحجة والبرهان، والنصح الصادق المبني على محبة الغير للآخرين، والتعاون على الخير بالأساليب المثلى، والتواصي بين العقلاء بما يُصلح العباد والبلاد، فهذه هي الطرائق الإيجابية، والبدائل الحقيقة للغة الشارع وأساليب فرض الآراء بالتقاتل والتصارع وطرائق العنف بمختلف أنواعها.
نسأل المولى سبحانه وتعالى، أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا البر والتقوى، وأن يرفع البلاء عن المكروبين، ويفرج عن المهمومين، وأن ينير لنا سبل السعادة في الدنيا والآخرة.