كانت الإمارات حتى قبل نشأة الدولة الاتحادية، على علاقة وروابط متينة مع قاهرة المعز، إذ ظلت قوافل التجارة سالكة عقوداً طويلة بين الإسكندرية وموانئ دبي لتبادل المنافع التجارية والثقافية، وعبر السنين بقيت مصر في ذاكرتنا، مصر قلعة العروبة، مصر عمرو بن العاص، مصر عبد الناصر والقومية العربية، مصر أبو الهول والأزهر الشريف والسيدة زينب، والشعراوي وأم كلثوم.. ومنذ عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، كانت تربط بينه وبين المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (باني ومؤسس نهضة دبي) علاقات أخوية وطيدة.
ويدرك القارئ أن دولة الإمارات كانت منذ تأسيسها على وفاق تام مع الشعب المصري وسنداً له، كما تفخر بعطاء المميزين من أبناء مصر الذين عملوا وما زالوا يعملون معنا جنباً إلى جنب، في شتى المواقع والميادين في الدولة.
ولا تكفي هذه السطور لحجم المشروعات الإنمائية والمساعدات الإنسانية التي قدمتها بلادنا لمصر العروبة، ويكفي القول إنه عندما قاطعت كل الدول العربية مصر بعد توقيعها معاهدة «كامب ديفيد»، كانت توجيهات«حكيم العرب» المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ألا يتوقف دعم الإمارات للشعب المصري.
وكذلك لن ينسى التاريخ الشيخ زايد الذي دوّن مقولته الشهيرة إبان حرب أكتوبر 73، عندما قال «إن البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي»، وبناءً عليه استمر المئات من أبناء وبنات الإمارات في مواصلة دراساتهم الجامعية والعليا والدراسات العسكرية في مصر، ولم يجدوا من أشقائهم المصريين إلا كل حفاوة وترحيب.
مصر التي نعرفها، هي قلب العروبة النابض التي تحملت عبء النضال سنوات طويلة، ودخلت ثلاث حروب دفاعاً عن الوطن العربي.
هذه مصر التي عرفناها، والتي يجد أبناؤها الذين يحترمون النظم السارية في بلادنا كل التقدير الذي يستحقونه، أما الذين يحملون أجندة للمساس بأمن واستقرار بلادنا، فإن عليهم أن يتحملوا تبعات خيارهم، والشيء ذاته يقال لكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات بلادنا، سواء بتصدير المشكلات أو الأفكار الهدامة والمضللة أو التواطؤ و«إثارة الفتن»، لأن من يسعى لإشعال نيران الفوضى والفتن سيكون أول المحترقين بلهيبها.
إن دولة الإمارات تنطلق في علاقتها مع شعب مصر، من مبادئها وثوابتها، ولذلك ستستمر في أداء واجبها العربي تجاه مصر، ولن تسمح لحزب بعينه أن يخرب أو يدمر ما أنجزته في محيطها العربي.
وهذا ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في سياق حوار مع الصحافيين والإعلاميين ضيوف الإمارات الذين شاركوا في القمة الحكومية الثانية، في رده عن سؤال عن الأوضاع الراهنة في بعض دول الوطن العربي، إذ قال «إن دولة الإمارات دعمت مصر الشقيقة منذ عهد الراحل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد، طيب الله ثراه، حين عقدت اتفاقية الصلح بين مصر وإسرائيل، واليوم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأنا قدمنا ونقدم الدعم لــ«قلب الأمة العربية» مصر، كي تمضي قدماً في الإصلاح وتحقيق الأمن والتنمية الاقتصادية لشعب مصر الشقيق».
ومن جانبه، أكد سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، خلال خطابه في القمة الحكومية الثانية، أن قادة الوطن لم يتركوا فرصة سانحة إلا كانوا فيها هم القدوة وصناعها، مدللاً بذلك على قيام المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، رحمه الله، بإرسال ابنه البكر وولي عهده (حينها) إلى جبهة الحرب، إبان حرب أكتوبر 1973، للوقوف على احتياجات الجيش المصري هناك، ولافتاً سموه إلى أن ذلك يدل على مكانة أرض الكنانة في قلوب قادة الإمارات وشعبها، وأن أي اعتداء على مصر وشعبها هو عدوان على الإمارات وشعبها، كما يدلل ذلك على حرص الوالد المؤسس على إعداد قائد استثنائي للمستقبل.
واغتنم الشيخ سيف بن زايد هذه اللحظة لإرسال تحية شكر واعتزاز إلى القوات المسلحة الإماراتية، وتمثيلها المشرف لشعب الإمارات في أماكن الأزمات المختلفة والحروب الجائرة، لتقديم العون والمساعدة الإنسانية وما يلزم لنصرة المظلومين وغوث المنكوبين.
وفي تقديري أن القمة الحكومية الثانية تعتبر من أهم أحداث عام 2014، وأن تأثيرها سيتسع ليشمل كل أعمال الدولة.
ولعلي لا أجافي الحقيقة عندما أقول إن القمة ستكون خريطة طريق ستسير على هداها دول أخرى، أما على الصعيد الداخلي، فإن انعكاسات نتائج القمة ستطرح نفسها بقوة في مستقبل الأيام، ولعلها ستضع صناع القرار من القياديين أمام تحدٍّ كبير لإثبات جدارتهم واستحقاقهم لمواقعهم، لأن الدلائل تشير إلى أن البقاء في مواقع الريادة سيكون محكوماً بشروط ومعايير النماذج الحكومية الأفضل.
وأن التغيير سيطال من ليست لديه قدرة على مجاراة أطروحات هذه القمة التي تعتبر الصيغة المعدلة والقيمة المضافة لاستراتيجية حكومة دولة الإمارات في ثوبها الجديد، والداعية في عصر التنافسية إلى بلوغ أقصى غايات الريادة والتميز في الأداء الحكومي.
بقي أن أقول إن القمة الحكومية الثانية ملتقى فكري وتقني واقتصادي وثقافي، يجمع نخبة من الخبراء والعلماء والاقتصاديين وصناع القرار على المستويين العربي والعالمي، ما جعل منها منصة حوار واقعي بين المشاركين فيها من جهة، وبينهم والصحافيين والإعلاميين من جهة ثانية.
إن نجاح هذه القمة يعود لما بذلته اللجنة العليا من جهود كبيرة، ولجنود مجهولين لا بد أنهم عملوا ليلاً ونهاراً على مدى شهور، لتخرج القمة بهذه الصورة المشرفة التي نفخر بها نحن مواطني هذه الدولة المعطاء وكل مقيم على أرضها.