«مانديلا المصري» وزعيم القاعدة

تفوق "الإخوان" على أنفسهم في "التبجح" حين حاولوا استغلال مناسبة رحيل المناضل الإفريقي الفذ نيلسون مانديلا ليقولوا إن المعزول مرسي هو مانديلا العرب والمسلمين.

سخر المصريون من هذه "البجاحة" عن رجل لم يدخل السجن مطلقاً قبل الثورة وعندما قبض عليه في ثورة يناير جاءته ميلشيات خارجية لتقتحم السجون ليكون، بعد ذلك، جزءاً من مؤامرة تسليم حكم مصر للإخوان هذه المؤامرة الذي أسقطها شعب مصر في 30 يونيو ليوجه ضربة قاصمة لمخططات تقسيم الدول العربية مرة أخرى وإدخالها في حروب أهلية تستنزف قواها وتدمر مستقبلها.

بالصدفة تزامنت مهزلة "الإخوان" الجديدة مع الكشف عن تسجيلات لاتصالات هاتفية بين المعزول مرسي أثناء حكمه الأسود، وبين زعيم "القاعدة" أيمن الظواهري، وتظهر التسجيلات كيف كان يتم التخطيط لتحويل مصر إلى قاعدة للإرهاب، وكيف كان يتم الاعداد لضرب كل القوى السياسية وهدم أركان الدولة وتفكيك الجيش المصري ليكون هناك جيش العصابات الارهابية الذي يحيل مصر، كما جاء في التسجيلات، إلى صورة أخرى من نعيم الصومال وأفغانستان!!

يخاطب المعزول مرسي في التسجيلات المنشورة أيمن الظواهري بأنه "أمير المؤمنين" ولا يكتفي الطرفان بتدمير مصر وإخضاعها للإرهاب، بل يتحدثان عن باقي العالمين العربي والاسلامي، ويستهدفان أساساً دول الخليج العربي، ويصدر زعيم القاعدة التعليمات لنشر الخراب في مصر والدول العربية، بينما الأخ "مرسي مانديلا" يزهو بأنه فتح أبواب مصر للإرهاب..

ولا يتوقف عن تقديم آيات الولاء لأمير المؤمنين الذي اعترف أخوه "محمد الظواهري" بأنه تسلم من نائب المرشد خيرت الشاطر ملايين الدولارات ليوصلها لأخيه لشراء الأسلحة وإرسال الارهابيين لدعم حكم الإخوان، بل إنه يقر بأنه أرسل أكثر من ثلاثين "قناصاً" أثناء اعتصام رابعة أدوا مهمتهم بنجاح.

كان لافتاً ان القاهرة قد أرسلت مناضلاً حقيقياً هو محمد فايق رئيس المجلس القومي لحقوق الانسان ليرأس وفد مصر في تقديم العزاء في رحيل الزعيم مانديلا. ومحمد فايق هو أحد أصدقاء مانديلا منذ أيام الكفاح، وهو مهندس العلاقات المصرية الافريقية في عهد جمال عبدالناصر، حين كانت القاهرة مركزاً لحركات التحرر العربية والافريقية، وحين كانت "الفيللا" الصغيرة في حي الزمالك التي تشغلها الجمعية الافريقية هي نقطة تجمع كل زعماء افريقيا المناضلين ضد الاستعمار والعنصرية.

كان انتصار مصر في حرب السويس عام 56 قد أعطى الأمل لشعوب افريقيا جنباً إلى جنب مع الشعوب العربية وباقي الامم الواقعة تحت الاحتلال، بأن عهداً جديداً قد أشرق على العالم، وأن علي الاستعمار الذي انهزم في بورسعيد "أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل" كما قال عبدالناصر. تحولت القاهرة إلى قبلة الأحرار، ولم تتأخر مصر (رغم ظروف الحصار الاقتصادي والتآمر الخارجي) عن تقديم كل ما تستطيع من دعم لحركات التحرر والاستقلال العربية والافريقية.

في هذه المرحلة تولى محمد فايق مسؤولية الملف الافريقي. وكان مانديلا أحد كبار المناضلين الذين احتضنتهم القاهرة، والرجل لم ينس ذلك مطلقاً وظل يحمل التقدير لمصر ولثورة يوليو التي دعمت نضال بلاده.

حتى عندما نافست بلاده علي استضافة كأس العالم لكرة القدم وفازت بها على حساب مصر ودول أخرى، قال إنه لو كان عبدالناصر مازال بيننا لما كانت جنوب افريقيا أو غيرها قد وقفت في طريق رغبة مصرية في احتضان المسابقة.. فهي الأحق بتمثيل القارة حين تكون كما كانت في ظل زعامتها الخالدة الراحلة.

قصة اللقاء المؤجل بين الزعيمين الخالدين (مانديلا وعبدالناصر) معروفة. كان مانديلا في القاهرة بداية الستينات، وتحدد له موعد للقاء مع عبد الناصر، لكن أحداثاً طرأت أدت لتأجيل الموعد، واستدعي مانديلا بعد ذلك علي عجل للسفر، وغادر لبلاده على وعد بالعودة بعد أسابيع للقاء عبدالناصر، لكنه ألقي القبض عليه ودخل السجن الذي استمر لأكثر من ربع قرن.

بعدها بسنوات رحل عبدالناصر، ودخل محمد فايق السجن لعشر سنوات، وعندما خرج تفرغ لتأسيس أول منظمة عربية لحقوق الإنسان، ولم تنقطع صلته بزعماء النضال الافريقي الذين أصبحوا قادة لبلادهم بعد الاستقلال. وعندما خرج مانديلا من السجن كانت القاهرة إحدى محطاته الخارجية الأولى، وفيما أصر ان يكون لقاءه الأول مع الصديق محمد فايق، وأن تكون زيارته الاولي لضريح عبدالناصر ليبدي الأسف على لقاء لم يتحقق منذ 27 سنة!!

يقول مانديلا في مذكراته إن أفكاراً راودته في السجن بأن يتراجع حتى ينقذ شعبه من انتقام السلطة العنصرية المدعومة من قوى الخارج وعلى رأسها أميركا، لكنه كان يتذكر درس مصر وكيف استطاعت بقيادة عبدالناصر أن تهزم اعتى القوى الاستعمارية في ذلك الوقت.

هل نحن بحاجة إلى التذكير أن جماعة مرسي مانديلا (الإخوان) كانت في هذا الوقت تخوض حربها القذرة ضد ثورة يوليو، وتحاول المرة بعد الأخرى اغتيال عبدالناصر وتدمير مؤسسات الوطن؟! وهل نحن بحاجة إلى التذكير مرة أخرى بأن زعماء جماعة "مرسي مانديلا" قد صلوا شكراً لله حين انهزمت مصر في 67 بينما كان قادة افريقيا يردون الجميل ويعلنون الوقوف مع مصر ويقطعون علاقتهم بالعدو الاسرائيلي ؟!

بينما كان العالم يودع نيلسون مانديلا مناضلاً حقيقياً من اجل الحرية، ونموذجاً فذاً في التسامي على الجراح والتضحية من اجل الوطن، كان "الإخوان" ماضون في محاولة الانتقام من شعب مصر لأنه اسقط حكمهم الفاشي، وكانوا يقودون تحالف الإرهاب لتعطيل مسار الثورة واستنزاف قوى الدولة.

وفي الوقت الذي كانت مصر فيه تصدر دستورها الجديد وتستعد للاستفتاء عليه ثم للانتخابات البرلمانية والرئاسية وإنهاء المرحلة الانتقالية، كان الاخوان مشغولين بتنصيب المعزول المتهم بالخيانة باعتباره مانديلا العرب والمسلمين.

تصوروا.. مانديلا يخاطب زعيم "القاعدة" بأنه "أمير المؤمنين"!!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات