العنصرية تذهب والتاريخ لا يموت

إن من يساهم في تشكيل تاريخ البشرية، في صراعها بين الخير والشر لا يمكن للتاريخ أن ينساه، بل يظل محفوراً في أوراقه الناصعة، وإن من يرفع الراية البيضاء ضد الظلم والقهر والاضطهاد من دون استخدام السلاح بكافة أنواعه وأشكاله هو إنسان قوي وذو ثقة بنفسه ومؤمن بالقضايا التي كرس حياته من أجلها، وهذا بالضبط ينطبق على المناضل الإفريقي العظيم نيلسون مانديلا الذي ودعه العالم كله منذ أيام قليلة إلى مثواه الأخير بعد أربعة وتسعين عاما من النضال المستمر من بينهم ثلاثون عاما متواصلة وراء قضبان سجون العنصرية البغيضة.

لقد تعددت تجاربه السياسية من خلال الانضمام إلى العديد من الأحزاب والتيارات، باحثاً عن الخلاص من العبودية والاضطهاد والقمع وإذلال الإنسان الإفريقي من قبل الأقلية البيضاء، والتي كانت تملك السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما كان يعرف بالحزب الوطني والذي وصل إلى الحكم سنة 1947 في جنوب أفريقيا..

وكان النضال ضد تلك السلطة المستبدة شاق وصعب، من دون خلق آليات جديدة لمواجهته ومحاربته بالوسائل السلمية، حين ذاك أدرك الزعيم الوطني الإنسان نيلسون مانديلا أهمية العمل في الداخل والخارج، فالجبهة الداخلية مهما كانت قوية ومتماسكة ومؤمنة بالتغيير للصالح العام تحتاج إلى قوى خارجية محايدة تهدف إلى مناصرة المظلومين المضطهدين، والعمل على إزاحة الظلم والقمع والاضطهاد للبشر.

يدرك الجميع أن نهاية حياة الإنسان في هذه الدنيا هو الموت، وربما يقول قائل إن الموت حق مهما طال الزمان، لكن الحق أيضا أن الإنسان يرحل عن الدنيا بروحه وجسده وتبقى سيرته وذكراه بين من يعرفونه..

وهناك من البشر من كان لهم دور بارز في الحياة وفي خدمة الإنسانية، هؤلاء ترسخ ذكراهم في صفحات التاريخ الذي سيظل يذكر كل من ساهم في وضع لبنة من لبنات الحضارة والثقافة الإنسانية، فهؤلاء سيظلون خالدين ما دامت الحياة مستمرة، وتظل سيرتهم باقية نموذجا لمن بعدهم يستنيرون به ويسيرون على خطاه.

يبدو أن العام 2013 لا يرغب بالرحيل ألا ويحمل معه العديد من الشخصيات التي أثرت في العالم بغض النظر عن قوميتهم أو لونهم أو ديانتهم سواءً من الذكور أو الإناث، ولا أود أن أدخل في نادي المتشائمين من هذا الرقم، بالرغم من أن العديد من الأمم والشعوب تؤمن بذلك، حتى أنه على سبيل المثال لا تجد في الكثير من الأبراج والأبنية في العديد من مدن العالم الطابق رقم (13).

الزعيم الأفريقي والمناضل العالمي نيلسون مانديلا ليس إنسانا خارقا للعادة ولم يفعل ما يمكن أن يوصف بالمستحيل، بل على العكس استخدم أبسط وأسهل الأشياء لمقاومة أعدائه وأعداء وطنه العنصريين، لقد استخدم مانديلا سلاح التسامح والمصالحة، وبهذا السلاح البسيط انتصر مانديلا وحرر بلاده من واحد من أسوأ الأنظمة العنصرية في تاريخ البشرية.

تجول في الذاكرة الآن تلك الزيارة التي قام بها نيلسون مانديلا إلى دولة الإمارات العربية في القرن الماضي، وكان من أشد المناصرين للقضية العربية الأولى فلسطين، وكيف لا وهو الذي قد أدرك الاستعمار الاستيطاني والقمع العنصري والتعدي على حقوق المواطنين الأصليين.

ولعل تجربته في العمل السياسي الحزبي قبل اعتقاله وسجنه الطويل في جنوب أفريقيا قد وسعت في ثقافته واهتماماته بالقضايا الدولية، وحقوق الإنسان والبحث عن حرياته وحقوقه والعيش الكريم على أرض وطنه، لقد أدرك مانديلا أن عصر العبودية قد أصبح في مزبلة التاريخ، وإن الإنسان بعلمه وأخلاقه لا بلونه أو عرقه أو دينه.

لقد غفر لكل من أخطأ بحقه، ولم يكن من صفاته الشخصية والنفسية حب الانتقام حتى ممن أساء إليه في حياته.

واليوم يتابع العالم كله مراسيم جنازته ودفنه في قريته التي أحبها حباً شديداً وسيتذكر العالم الرجل المتسامح ورجل الدولة التي أقامها للجميع حتى لأعدائه وأعداء أهله الأفارقة من البيض العنصريين، ليرحل مانديلا ويظل باقياً في ضمير العالم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات