لمحة من الأيام الأولى للتقنية الإسلامية

عندما انطلق المسلمون من شبه الجزيرة العربية لنشر الإسلام في بلاد أخرى، كانت أولويات اهتماماتهم تطوير وسائل أكثر نضجاً للدفاع عن أنفسهم، وبمرور الوقت انصب اهتمامهم أيضاً على محاولة اكتشاف طرق جديدة للتعلم من أعدائهم، وإتقان الأساليب الحربية التي كانت جديدة بالنسبة لهم، والتي جعلت من الأيسر عليهم الانخراط في معارك ضد قوى أخرى، وجدوا أنفسهم في صراع محتدم معها.

لم تعد الحرب في تلك المرحلة مسألة مجموعات من الرجال المسلحين يقفون وجهاً لوجه في معركة، ويعجم المقاتل الفرد عود مقاتل آخر في غمارها، فقد وجد المسلمون أنفسهم ـ على سبيل المثال ـ في مواجهة مشكلات عسكرية، مثل الاضطرار إلى الهجوم على مدن مسورة، دعمت نفسها بالطرق والأساليب التي تتيح لها الحيلولة دون اختراق الأسوار.

ولعلنا نذكر جميعاً كيف ظفر المسلمون بموقعة الخندق الشهيرة، عندما قاموا بحفر خندق حول جزء غير حصين من المدينة، للحيلولة دون اقتحام المشركين لها مروراً بهذا الجزء.

وفي الحياة اليومية، لم يكن هناك ما هو أكثر أهمية بالنسبة للمسلمين من الماء، ومع تطور الحياة، أصبح من المهم الحصول على كميات متزايدة منه، ليس لاستهلاكه من قبل الأفراد فحسب، وإنما لتلبية احتياجات الزراعة التي أصبحت مع زيادة عدد السكان تقتضي إدماجات منتظمة بالمياه لأغراض الري. وسرعان ما أصبح من المحتم الوصول إلى طرق لاستغلال المياه الموجودة في التجمعات الجوفية مثلاً، والاستفادة منها لأغراض الزراعة.

ومع نجاح المسلمين من خلال فتوحاتهم العديدة، في الوصول إلى نباتات كانت حتى ذلك الوقت مجهولة بالنسبة لهم، أدركوا أن معظم هذه النباتات يستهلك كميات كبيرة من المياه لم تكن متاحة..

ولم تكن جزءاً طبيعياً من التربة التي يتعين فيها زرع هذه النباتات. ولهذا تعين عيلهم أن يكتشفوا طرقاً جديدة للري أو أن يقوموا بتوظيفها، وبصفة خاصة، تعين عليهم التوصل إلى تقنيات جديدة لرفع المياه من المستويات المنخفضة، كالمياه الجوفية، إلى المناطق التي تستخدم فيها للري، عبر قنوات خاصة تشق لهذا الغرض.

كانت التجديدات التي فرضتها ضرورة الحصول على الماء لأغراض الري، هي تجديدات ثورية بالنسبة لهذه المناطق التي لم تشهد الزراعة من قبل، وقد سجل في تاريخ المسلمين الكثير عن هذه الثورة، "وهكذا، فإن ثورة كبرى قد حدثت، وليس من قبيل المبالغة القول بأنه بحلول القرن 11 الميلادي، لم يكن هناك نهر ولا غدير ولا واحة ولا نبع لم يقم المسلمون باستغلالها واستخدامها لأغراض الزراعة".

ومن بين الأدوات الزراعية التي تم تطويرها، ربما كانت الأداة الأكثر أهمية هي المحراث، وقد تواصل استخدامه في الشرق الأدنى ومعظم أرجاء حوض البحر المتوسط حتى أزمنة قريبة. وذكر المؤرخ المقريزي أن أثقل المحاريث قد استخدم في مصر لإعداد الأرض لزراعة محاصيل جديدة على المنطقة، مثل قصب السكر، بينما استخدمت في إيران أشكال عديدة من المحاريث حسب طبيعة الأرض التي تقتضي الحرث.

ومع اختراع المحراث الآلي في أوروبا، أصبح ينظر إلى المحراث التقليدي على أنه شيء بالٍ في العالم العربي أيضاً، وتم اختراع شكل أكثر ثقلاً من الأداة المعروفة باسم "المسلفة"، وهي أداة للحرث أكثر ثقلاً، تقتضي الاستعانة بقوة الحيوانات، مثل الثيران، وذلك بهدف تكسير كتل الأتربة الكثيرة، الأمر الذي من شأنه أن يجعل غرس البذور عملية أكثر سهولة.

كان من السمات البارزة للزراعة لدى المسلمين، زرع القمح، الذي سرعان ما أصبح الغذاء الرئيس لهم، وأصبحت أساليب طحن القمح سمة شائعة في العالم العربي، بحيث يمكن الحصول على كل أنواع الدقيق.

وجاء الأرز في المرتبة الثانية بعد القمح من حيث الأهمية، سواء في صورته المألوفة لنا أو خبز الأرز، الذي أصبح أكثر شيوعاً مع ارتفاع سعر خبز القمح بشكل متزايد، وتناقص استهلاكه من قبل الشرائح الفقيرة في المجتمع.

وبمرور الأيام، توافرت نوعيات عديدة من الخبز، ويدرج أحد المخطوطات العربية القديمة قائمة تضم ما لا يقل عن 12 نوعاً من الخبز كانت تخبز في مختلف البلاد الإسلامية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات