العوامل الــ6 للتحول إلى الأفضل

يسعد من يقرأ كتاب «Your Turn» للكاتبة نانسي أروين،  الذي وجد رواجاً كبيراً،  ويبدو أن صدور هذا الكتاب في أعقاب أكبر أزمة اقتصادية اجتاحت العالم في الألفية الجديدة، كان من عوامل انتشاره. وكل ما اشتملت عليه فصوله، يعتبر حصيلة خبرة ومعايشة بعين بصيرة، لواقع أزمة الرهن العقاري. وبدا لي أن الكاتبة وظفت خبرتها الأكاديمية في هذا العمل المبدع، فقد عملت قبل سنوات ممثلة مسرحية كوميدية..

كما مارست الغناء الأوبرالي.. وفي سن 42 التحقت بالجامعة، فحصلت على الدكتوراه في علم النفس الإداري. وقد طوعت خبرتها العلمية وتجربتها ومؤهلاتها العملية، وسطرتها بشكل أكسب الكتاب رواجاً لم يكن متوقعاً.

ولأهمية الموضوع سنعرض لأبرز ما ورد فيه من أفكار، حول السبل التي تعين الفرد على التعامل مع الأزمات والتوترات التي قد يتعرض لها أي إنسان في منتصف الحياة، كما رأت الكاتبة..

وتعني الأوقات التي يصاب فيها المرء بحالة من الضجر أو الملل، الناجم عن ظروف خارجة عن الإرادة، سواء في المنزل أو في العمل. وهي ظروف من شأنها أن تحول الملل إلى مشكلة، علماً بأن مثل هذه الظروف قد تواجه الرجل أو المرأة، وقد تصل إلى حد الخوف من المستقبل.

وقد وضعت الدكتورة «أروين» عوامل ستة تساعد أي إنسان يمر بأزمة، على التحول للأفضل، يمكن عرضها باختصار، وهي:

1. على كل فرد، من حين لآخر، أن يعيد تقييم تجربته ومواقفه ومبادئه في الحياة.

2. تجاهل توافه عوارض الأشياء ومحاولات البعض للتقليل من أهميتك.

3. لا تأسف على ما مضى مهما كان، وتجاوز اليوم بالنظر إلى المستقبل.

4. ابحث عن مهاراتك وقدراتك الكامنة، واجتهد لاستثمارها لصالحك.

5. كن صريحاً مع نفسك، وحاول ممارسة النقد الذاتي لتجاوز أخطائك.

6. ضع برنامج عمل يومياً وخطة ذكية (smart plan) تعينك على التغيير.

وترى الكاتبة أن الحياة المعاصرة، والعلاقات المتشابكة والمتداخلة، ومتطلبات وتكاليف الحياة، وضيق الوقت، والمنافسة المحتدمة بين زملاء العمل والرؤساء، تؤدي إلى الإحساس بالضيق.

ولعل الكاتبة تتفق مع علماء النفس الفردي، في أن المخاوف تعاود الناس في ظروف مختلفة، وهي على غير الخوف لأن الخوف غريزة يولد بها الإنسان. وهنالك فرق بين العوامل الغريزية والعوامل الاجتماعية المكتسبة، من حيث تأثيرهما على السلوك الفردي.

تضيف الدكتورة «نانسي» أن الفرد العاقل يتملكه الخوف من المجهول، والخوف من المرض، والخوف من العجز، فضلاً عن الخوف من الفشل. وإن كل مجتمع يعزز في نفوس أفراده قيماً اجتماعية، تتحدد معها قدراتهم للاستجابة والتعامل مع الأزمات باختلاف أنماطها، بل ويضع الخيارات التي تعينهم على تجاوز المحنة أو الأزمة الطارئة.

فمثلاً، قبيلة الزولو الإفريقية تستهجن فرار أي رجل من أفرادها إذا دهمه نمر أو أسد مفترس، بينما قبائل أخرى لا تعيب هروب الرجل أو تسلقه شجرة ليتقي شر أي حيوان.. وهكذا يكتسب أفراد المجتمع الأنماط السلوكية والمهارات التي يمكن أن تساعدهم على تجاوز مشكلاتهم، وذلك قبل أن تتحول إلى أزمة يتعذر علاجها.

أرادت الكاتبة أن تسبر أغوارالحياة الاجتماعية، لمعرفة حجم الضغوط النفسية التي يعاني منها عدد لا يستهان به من أفراد المجتمع، بسبب تزايد أعباء المسؤوليات الشخصية أو الأسرية، وهي في مراحلها الأولى أعباء تبدأ بسيطة لا يكاد يحس بها الفرد..

ولكنها تتراكم يوماً بعد يوم، إلى أن تصل المرحلة القصوى بالتراكم، التي يصاب فيها الإنسان المعاصر، أي إنسان المدينة، بالإعياء والإرهاق الجسدي والنفسي، سواء كان هذا الإنسان يعيش في ولاية تكساس أو في جوهانسبرغ أو نيروبي أو كاركاس.

عرّفتنا الكاتبة بحالات عديدة لأناس أجبرتهم تداعيات الأزمة الاقتصادية على تغيير أساليب حياتهم، خصوصاً الذين فقدوا وظائفهم أو الذين اضطروا لبيع منازلهم لتسديد مستحقات البنك.

واللافت للنظر هو إجماع معظم من تم استجوابهم حول أثر الأزمة الاقتصادية على حياتهم، أن الأزمة أعادت الدفء لحياتهم الزوجية، فضلاً عن تطوير العلاقات مع جيران لم يكن بالإمكان مخالطتهم لولا الأزمة.

وقد يتساءل القارئ ما سر الرواج الذي وجده كتاب الدكتورة نانسي أروين، لدرجة أن طبعته الأولى نفدت من الأسواق في معظم المكتبات حتى خارج الولايات المتحدة الأميركية؟

في تقديري أن مجموعة من العوامل كانت وراء رواج الكتاب، لعل من أهمها القدرة الهائلة للكاتبة في استقراء أزمة الإنسان المعاصر، والذي ليس بالضرورة أن يكون أميركياً، لأن الكتابة الفنية الصادقة غالباً ما تتجاوز حدودها الجغرافية.

ولا بد أن الخبرة والتجارب الشخصية للكاتبة، فضلاً عن رشاقة أسلوبها، كلها من عوامل سر نجاح هذا الكتاب، الشيء الآخر أن نمط الحياة في مجتمعات العواصم والمدن الكبرى أصبح متشابهاً، وإيقاع هذه المدن أصبح ضاغطاً بسبب ظاهرة الاستلاب الحضاري والتقني..

فالفرد أصبح محاصراً ومحكوماً، وعليه أن يدور مع آلة الزمن وفق إيقاعها اليومي المتوتر والمستمر على نحو يستحيل إيقافه، منذ الصباح إلى اللحظة التي يسلم نفسه للنوم.

ولكن عليه متى ما وجد الفرصة، أن يتمرد على الروتين بإحداث تغيير جوهري في أسلوب الحياة والنظام الغذائي وأسلوب المعيشة، وأن يعلم أي فرد أن الثروة شيء رائع حقاً، إلا أن الفقر ليس سيئاً إلى هذا الحد.. فهنالك ملايين من ذوي الدخل المحدود معظمهم يعتبرون أنفسهم سعداء، بل أسعد من وصفائهم الأغنياء.

ويلاحظ أن طرح الكاتبة لفت الأنظار إلى الأبعاد الفلسفية لمعنى الحياة، وذكرنا بأن دوام الحال من المحال، وأن على الإنسان، أي إنسان، أن يتوقع دائماً أسوأ الاحتمالات، وأن يكون قادراً على التعاطي مع عوارض الزمن وطوارئ الحياة.. والكتاب يمكن الحصول عليه من المكتبات الكبرى في الدولة، وهو جدير بالمطالعة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات