معركة الدستور.. مصر تنتصر على إرهاب الإخوان

خطت مصر خطوة هامة على طريق الاستقرار بالانتهاء من مشروع الدستور الجديد. ورغم أي تحفظات من هنا وهناك، فلا شك أن لجنة الخمسين التي ترأسها عمرو موسى استطاعت أن تتخطى العقبات، وأن تقدم مشروع دستور عصري بكل معنى الكلمة يمكن أن يكون نقطة جيدة لبناء الدولة الجديدة في مصر.

في الجلسة الختامية لإقرار مشروع الدستور كان المشهد مؤثراً وشديد الدلالة. تساقطت دموع الأعضاء وهم يقفون تحية للسلام الوطني ويهنئون بعضهم بالإنجاز الذي تحقق. ذابت الخلافات بين أعضاء اللجنة التي تمثل كل التيارات السياسية ومختلف الأطياف الدينية والعرقية. أثبتت اللجنة أن الحوار جاء ممكناً حتى في هذه الظروف الاستثنائية..

وأن تحقيق التوافق الوطني الحقيقي متاح ما دام الإرهاب والاستبداد والاتجار بالدين بعيداً عن التأثير الحقيقي. وعندما ارتفع الهتاف بـ"تحيا مصر" كان كل المصريين يرددون الهتاف معاً في القاعة، وهم يتذكرون كيف كان اختطاف "الإخوان" لدستور 2012 المعطل هو المقدمة لاختطاف الوطن بكامله. وكيف كانت مصر غائبة مع حضور "الإخوان" وسيطرتهم، وكيف عادت مع سقوط حكمهم الفاشي، ومع استعادة الثورة والدولة في يونيو المجيد.

الأبواب الخاصة بالحريات في الدستور الجديد أكثر من ممتازة، خاصة فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير. تم النص على إلغاء الحبس في قضايا النشر والإبداع. إعلام الدولة سيكون إعلاماً قومياً مستقلاً .

وليس حكومياً بعد إلغاء وزارة الإعلام. تم التأكيد على الالتزام بكل المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان التي وقعت عليها مصر. لم تعد هذه الحقوق قاصرة على الجانب السياسي بل امتدت إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولم يعد الأمر مجرد تعبيرات فضفاضة، بل التزاماً كاملاً بكفالة التعليم الأساسي والرعاية الصحية ودعم الإسكان.

الخلافات الأساسية كانت تتعلق بنظام الحكم وسلطات الرئاسة والحكومة ونظام انتخاب البرلمان. انحاز الدستور لنظام شبه رئاسي تقلصت فيه سلطات الرئيس بعض الشيء، ولكنه يظل القوة الفاعلة الرئيسية في السلطة التنفيذية، مع وجود رئيس للحكومة بسلطات حقيقية خاصة في الشؤون الداخلية. البعض كان- ومازال- يخشى من تنازع السلطات خاصة حين يأتي رئيس الحكومة من برلمان ليس متوافقاً مع رئيس الجمهورية.

ورغم الجدل الطويل الذي ثار حول منصب وزير الدفاع، فقد كان التوافق كبيراً في اللجنة على تمرير النص على أن وزير الدفاع هو قائد الجيش يعينه رئيس الجمهورية بعد التوافق مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة. الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وتجربة المعزول مرسي الفاشلة كانت وراء تمرير هذا النص، وجعله نصاً مؤقتاً لدورتين رئاسيتين فقط.

الخلافات حول نظام الانتخاب جعلت الأمر معلقاً. كان المقترح نظاما مختلطا (ثلثان بالانتخاب الفردي، وثلث بنظام القوائم) لكن الاقتراح سقط في التصويت النهائي. رغم ضغوط ممثلي الأحزاب في اللجنة الذين يناصرون نظام القوائم التي واجهت اتجاهاً أكبر يناصر الانتخاب الفردي، ويحذر من أن كل التجارب السابقة في الأخذ بالنظام المختلط انتهت بأحكام قضائية وبحل البرلمان.

وكان الحل في النهاية هو ترك الأمر للتشريع (علماً بأن السلطة التشريعية في المرحلة الانتقالية هي في يد رئيس الجمهورية المؤقت). وحدث نفس الشيء بالنسبة للخلاف حول الالتزام بخريطة الطريق التي تنص على إجراء الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية، أو تغيير ذلك..

كما يطالب كثيرون يرون أن انتخاب الرئيس الجديد بسرعة سوف ينهي الفترة الانتقالية ويفرض نوعاً من الاستقرار المنشود. ويطالب هؤلاء بإجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، أو بإجرائها مع انتخابات البرلمان في يوم واحد.

ولم تقتصر المهمات العاجلة المطلوبة من الرئيس المؤقت على تحديد النظام الانتخابي (بالقائمة أو الفردي) ولا بترتيب مواعيد الانتخابات البرلمانية والرئاسية وأيهما تجري أولاً، وإنما امتدت إلى معالجة آثار إلغاء نسبة العمال والفلاحين في الدستور الجديد، تاركة للسلطة التشريعية (أي للرئيس المؤقت) مسؤولية أن يضمن قانون الانتخابات الجديد تمثيلاً مشرفاً للعمال والفلاحين في البرلمان القادم، وكذلك للمرأة والأقباط والمصريين بالخارج.

ومع ذلك يسود التفاؤل بالتوصل إلى حلول مرضية لهذه القضايا المعلقة. خاصة إذا استمرت روح المسؤولية التي كانت عنواناً لأعمال لجنة الدستور، والتي جعلت الجميع يسعون للحل وليس التعقيد الأمور، ومع إدراك الجميع لحجم المخاطر التي تتعرض لها مصر وضرورة الحفاظ على وحدة قوى الثورة في مواجهة قوي الإرهاب بقيادة "الإخوان" التي حاولت -ومازالت تحاول- بكل الوسائل تعطيل تنفيذ خريطة المستقبل..

والتي تزداد شراسة كلما حققت مصر خطوة نحو الاستقرار، والتي ستحاول بكل تأكيد قطع الطريق على الاستفتاء الذي سيتم على الدستور، والذي سيكون في نفس الوقت استفتاء على الثورة وعلى السقوط النهائي لفاشية الإخوان.

في يوم التصويت النهائي على مشروع الدستور، كانت محاولة الإخوان الفاشلة، والبائسة لاقتحام ميدان التحرير، في الأسابيع القادمة علينا أن نتوقع حرباً شرسة من الإخوان وحلفائهم من عصابات الإرهاب لتعطيل الاستفتاء أو لترويع المواطنين حتى لا يفكروا في المشاركة فيه. لا يتعلم الإخوان أبداً من التاريخ أو من الواقع. ألم يفعلوا نفس الشيء قبل 30 يونيو؟!

ألم تصدر الإنذارات بأن الرؤوس قد أينعت وحان قطافها؟ أين من قال هذا؟ فر هارباً من غضب الشعب ومن عدالة القانون، يتقيأ على شاشة "الجزيرة" حديث الإرهاب المهزوم والخيانة للدين والوطن.

مشكلة الإخوان وحلفائهم من الإرهابيين أنهم لا يعرفون مصر ولا يحبونها، ولذلك ظلوا على مدى تاريخهم الأسود يقفون دائماً في المكان الخطأ، فيجدون أنفسهم في مواجهة الشعب وفي خصومة مع الدولة والقانون. سيفعلون المستحيل ليعطلوا إرادة الشعب، وستخرج الملايين التي أسقطتهم في 30 يونيو لتكتب في يوم الاستفتاء شهادة الوفاة للإرهاب، وشهادة الميلاد لنظام جديد يبني مصر ويحقق لها الاستقرار والتقدم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات