الدستور المصري يكسر حدة البداية

بعد إنجاز مصر بنجاح لمشروع دستور 2014، على قاعدة التوافق الوطني لا السياسي، بما يؤسس للانتقال من الثورة إلى الدولة، وفق خريطة المستقبل، تخطو الدولة العربية الكبيرة بثبات في الطريق إلى المستقبل، رغم كل ما يبدو من صعوبات، وتحديات، ومناورات، ومشاغبات محكوم عليها بالفشل، لأنها بلا شعبية، ولا مشروعية وطنية أو دينية أو ثورية حقيقية.

وتلوح بشائر أمل جديدة على بعد التصويت الديمقراطي الحضاري، على نصوص مشروع دستور ما بعد ثورة 30 يونيو، بصورة التوافق القريبة من الإجماع، وبالتصويت السري الإلكتروني، بما يتيح أقصى مدى من حرية التصويت، وبالصياغة التي أوجدت حلًا مقبولًا لمعظم المسائل التي أثارت الجدل، ليبدأ مع نهاية التصويت الحوار المجتمعي، حول المشروع لتعديل ما يلزم تعديله من مواد وصياغة، بالحذف والإضافة والتعديل، أخذاً بملاحظات وآراء الشعب.

وإذا كانت هناك ملاحظات في النصوص والصياغات فلا بد أن تبقى الملاحظات، فلا شيء في الدنيا محل إجماع تام، مع العلم أن التوافق يعني الاتفاق على المشتركات، ويقبل بالصيغة الوسطي لمسائل الخلافات، لكن في الصورة الكلية، يبدو هذا الدستور أفضل بكثير من دستور 2012 الإخواني، وصحح الكثير من أخطائه، ونزع فتيل الانقسام حول نصوصه.

والآن، وكما تتضمن الوثيقة الدستورية الجديدة، يمكننا الحديث عن "دولة عادلة" لا ظالمة، وعن دولة ديمقراطية لا دكتاتورية، وعن سلطة مدنية لا دولة مدنية، وبالتالي عن دولة وطنية عربية موحدة ذات سيادة، دينها الإسلام، والشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع، ونظامها جمهوري ديمقراطي، وحكمها مدني، تقوم على العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في جميع المجالات.

وهكذا يتطلع الشعب العربي في مصر إلي إعادة صياغة مجتمعه، بعد ثورة 30 يونيو، على أسس جديدة من تأكيد الحقوق والحريات، وتحديد الواجبات والمسؤوليات، خصوصاً بعد الحراك الثوري الشعبي الوطني، والتغيير الديمقراطي مرتين في ثورتين، خلال ثلاثة أعوام فقط، بما ليس مسبوقاً في التاريخ الحديث.

وتتوالى الإشارات بأن هذه الإرادة الشعبية السلمية المشروعة في التغيير، نحو مزيد من الحرية والتنمية والعدالة والوحدة، تتوازى معها إرادة غربية خارجية بأدوات داخلية مضادة، لا شعبية ولا مشروعة ولا سلمية، تحاول تغيير الهوية من التعريب إلى التغريب، وفرض التبعية لا الحرية، والتخلف بدل التنمية، والظلم الاقتصادي والاجتماعي بدلاً من العدالة الاقتصادية والاجتماعية..

والانقسام والفوضى بدلاً من الوحدة الوطنية والقومية، سعياً لإعادة إخضاع الدول العربية والإسلامية لسيطرتها. وقبل صياغة الدستور الجديد، وفق "خريطة المستقبل"، التي أجمعت عليها أغلبية القوى الوطنية والسياسية والدينية، ثار الجدال في أوساط النخب الثقافية والسياسية المصرية، حول مسألة الهوية الوطنية، ونشأ بهذا الجدال تناقض مفتعل بين الرؤى الجزئية للتيارات الرئيسة الأربعة؛ الإسلامية والليبرالية والقومية واليسارية..

وانعكس ذلك على بعض أعمال لجنة صياغة مشروع الدستور، بين الانتماء الوطني والانتماء القومي تارة، وبين الانتماء العربي والانتماء الإسلامي تارة أخرى، وأيضاً حول التواصل في تاريخ الثورة المصرية الواحدة، ومراحل التاريخ الوطني، خصوصاً حول النص على دور ثورة 23 يوليو الأم كمصدر إلهام للثورة الوطنية، ولوحدة ثورتي يناير ويونيو كمسار تاريخي، له امتداد واحد متكامل!

ولكن معارك هذه التيارات بفوضى المصطلحات حول علاقة الدين بالدولة، أمكن لها بالحوار الوطني الموضوعي الجاد، أن تلتقي على رؤى توافقية مشتركة مرتين، ذلك أن ما يجمع شعوب أوطاننا وأمتنا من الجوامع المشتركة أكثر مما يفرقها.

وهذا ما ثبت بالفعل في الحوار النموذج، الذي جرى في مصر في رحاب الأزهر الشريف، بين مختلف الأطياف الفكرية المصرية، الإسلامية والمسيحية والعلمانية والليبرالية واليسارية والقومية، والخروج في النهاية بـ"وثيقة الأزهر" حول صيغة "الدولة الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة"، التي ترجمتها وثيقة مشروع دستور 2014 مستجيبة لمعظم التطلعات لدى كل التيارات، وتلك طبيعة التوافقات التي تشبه المفاوضات في أنها لا تحقق لكل الأطراف كل المطالبات.

أما عن هستيريا الأبواق الدعائية الخارجية، وهوجة التظاهرات اللاسلمية غير المبررة في بعض شوارع ومعاهد مصر، وموجة الاحتجاجات غير السلمية المقررة ضد قانون تنظيم حق التظاهرات السلمية، لإشاعة الاضطراب والفوضى، ومحاولة عرقلة مسار إنجاز الخطوة الأولى لخريطة المستقبل، فالمسألة واضحة للغاية لدى الأغلبية الشعبية من المصريين، فبعد أن أُجبرت أمريكا على التراجع العلني أمام إرادة الشعب والجيش المصريين..

وباعت الإخوان ومرسي بثمن رخيص، إلا أنها تحاول إبقاء مصر مأزومة، فحركت أدواتها الخبيثة، وأبواقها الدعائية المأجورة للتشكيك في أي شيء، وفي أي قانون أو دستور، مع أن قانون التظاهر الأميركي أكثر تقييداً من القانون المصري، في حملة تشويش سوداء على مسيرة الثورة المصرية، والعجيب أن الأدوات المصرية، التي تفخر بأن "جلدها تخين"، ما زالت "تلحس البيادة" الأميركية، طلباً للسلطة!

ويرى مراقبون أن النشطاء والحركات والمنظمات الغاضبة والمصابة بحالة من الهيستيريا والمراهقة الثورية، متورطة في الحصول على تمويل أجنبي بطرق غير مشروعة، كما ورد في تقرير لجنة تقصي الحقائق عام 2012. ولهذا فإن هذه الحركات في حالة غضب هستيري من قانون التظاهر، ومن مشروع قانون الجمعيات الأهلية الجديد، الذي يغلق حنفية المال السياسي المشبوه في مصر..

لذلك هم يتظاهرون بعنف باسم الثورية، بالمخالفة للقانون، الذي يمنحهم حق التظاهر السلمي باسم الديمقراطية، خوفاً على انكشاف أمرهم ونهاية لعبتهم المفضوحة! في النهاية، وبعد إنجاز مشروع الدستور بنجاح، فإن الإرادة الشعبية المصرية الغلابة، تواصل مسيرها على خريطة المستقبل، بعد أن نجحت في تجاوز كل المحاولات اليائسة، لتعطيل عملية العبور من المرحلة الانتقالية إلى الدستورية والبرلمانية والرئاسية..

والتحول من الثورة الشعبية إلى الدولة الديمقراطية، مستندة في مسارها في اتجاه المستقبل، إلى الوعي العميق بمخططات الأعداء في الخارج وألاعيب الأدوات الإسلامية والثورية والفوضوية في الداخل، والقدرة الغلابة لتحالف الشعب والجيش والشرطة، على فرض سيادة القانون على جميع الخارجين على القانون، وتثبيت إرادة الشعب على كل أعداء الشعب، ولن تعلو في مصر إرادة إلا للشعب المصري العظيم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات