هناك أشياء قليلة للغاية أكثر إثارة وإمتاعاً من القيام برحلة على متن مركب يشق عباب النيل الخالد، ولعل أفضل شيء يمكنك أن تفعله في هذا الصدد، هو أن تصل في المساء إلى الأقصر أو أسوان، وعندئذ إذا حالفك الحظ، ستجد المركب في انتظارك. وربما خلال الليل تستيقظ فتشعر بالرغبة في المضي إلى الحمام، وبينما تمضي في طريقك إلى هناك، تستيقظ على حقيقة بسيطة..
وهي أنك لست على متن قطار أو في حافلة كبيرة في طريقك إلى جهة مجهولة، وفيما تخطو هذه الخطى القلائل إلى الحمام، ربما تلقي نظرة في عجالة من النافذة القريبة وتلاحظ للمرة الأولى أنك على متن سفينة، وأن هذه السفينة تشق بك عباب الماء، وهكذا فإنك تعود إلى فراشك وتغفو بعد أن يستبد بك التعب.
بالأمس القريب وعلى متن القطار الذي أقلك، ربما تكون قد قرأت كتيباً أفادك ببعض المعلومات عن تاريخ الأماكن التي سوف تراها، فبعد الفتح الإسلامي لمصر، اجتاز العديد من الرحالة المسلمين البلاد وهم في طريقهم لأداء فريضة الحج، وهكذا فإن هذا البلد أصبح معروفاً للفقهاء والحجاج والغزاة، وبهذه الطريقة بدأت المعرفة بعجائب مصر في الانتشار، وغرست بذرة ما سينمو ليصبح بالفعل سياحة القرن الحادي والعشرين.
غير أنه لم يحدث إلا في أواخر القرن 19، أن أصبح السفر أكثر تطوراً بحيث إن زائر مصر ونيلها العجيب يمكن حقاً أن يسمي نفسه سائحاً، أما قبل ذلك فقد كان شاب من أبناء الطبقات العليا ينهي في الغالب دراساته الشكلية في مدرسة أو جامعة..
ودرجت العادة على أن يبادر قبل بدء الانطلاق في حياته العملية، إلى القيام بجولة ممتدة أصبحت تعرف باسم "الجولة الكبرى"، والتي كانت في الكثير من الحالات تشمل رحلة إلى مصر، بسبب الأهمية الفائقة التي يتمتع بها الماضي التاريخي للبلاد.
كان من بين هؤلاء السياح بصفة عامة سيدات من الطبقة الأرستقراطية، وكانت ترتب لهن جولات ذات طبيعة ثقافية، ومن بين السيدات الشهيرات المنتميات إلى هذه الفئة، الكاتبة الشهيرة أغاثا كريستي التي قدر لها أن تصبح إحدى أشهر كاتبات الروايات البوليسية، ومن أشهرها رواية بعنوان "موت على النيل".
يقوم معظم الزوار أياً كان الجزء من العالم الذي قدموا منه، بزيارة مصر لكي يستمتعوا بالمواقع الفرعونية العديدة التي توجد على امتداد نهر النيل، وخاصة بين مدينتي الأقصر وأسوان، حيث يوجد معظم الآثار المذهلة التي تستقطب الأنظار.
في هذا الجزء من صعيد مصر يمد النيل بشكل حقيقي دم الحياة لأرض مصر وفلاحيها، وأتذكر العديد من السفن السياحية التي ركبتها أنا وزوجتي إلى هذه المنطقة الساحرة من أرض مصر، وقد نقلتنا السفينة الأخيرة التي ركبناها إلى بحيرة ناصر، وهي كما هو معروف تشكلت بعد بناء السد العالي.
لن يقدر لي قط أن أنسى الوصول الليلي الساحر للسفينة السياحية إلى آثار أبو سمبل المذهلة، التي تتألق بأربعة تماثيل هائلة لرمسيس الثاني..
وقد أنهينا آنذاك رحلتنا النهرية بالسفينة بإقامة قصيرة في مدينة أسوان الجميلة، التي ذكرتني بطفولتي البعيدة التي أمضيت بعض سنواتها في وادي حلفا في السودان، والتي كان يمكن أن تكون الإقامة فيها مستحيلة تماماً دون بعض المعرفة باللغة العربية.
خارج أسوان، مضينا إلى سوق الإبل الذي يقام هناك أسبوعياً حيث تعبر الإبل الحدود قادمة من السودان، ويبدو المشهد كما لو كان عيداً حقيقياً، حيث يستمتع السودانيون والنوبيون بكل دقيقة يمضونها هناك، ويمضون ساعات بكاملها عاكفين على تدخين الشيشة.
يعد سوق أسوان واحداً من أفضل الأسواق التقليدية التي تم الحفاظ عليها عبر السنين، والتي رأيتها طيلة حياتي، فهو حافل بالمنتجات المتنوعة التي تصل من القاهرة ومن السودان، ولا يزال بوسعي أن أشم حتى الآن عبق التوابل.
هناك مكان آخر مهم في أسوان لا بد من زيارته، هو المتحف النوبي الذي شيدته اليونسكو ورعته، حيث يمكن للمرء أن يستشعر طريقة الحياة النوبية القديمة قبل بناء سد أسوان.
وهذه الأيام أشعر بأسى عميق لأن عدداً قليلاً للغاية من الزوار والسياح يشقون طريقهم إلى الجنوب قاصدين الأقصر وأسوان، وذلك بسبب قلقهم من الوضع الأمني في مصر.. وآمل أن أرى هذه الأماكن مجدداً قبل أن أرحل.