قبل سنوات روى لي مهندس الصناعة المصرية الراحل الدكتور عزيز صدقي تفاصيل واحدة من أخطر المهام التي قام بها طوال حياته، حين سافر إلى موسكو عام 1972 عقب القرار المفاجئ من الرئيس الأسبق السادات بترحيل 20 ألف خبير سوفييتي كانوا موجودين بمصر بطلب من حكومتها للمعاونة في مهمة أساسية وهي إعادة بناء الجيش والتدريب على الأسلحة الجديدة.
كانت علاقة عزيز صدقي بالسوفييت قد توطدت من خلال إشرافه على برنامج بناء الصناعة المصرية الذي تعاون فيه الاتحاد السوفييتي في هذه الفترة لحد كبير. ورغم أن عزيز صدقي لم يكن ينتمي لليسار بل كان محسوباً على الجناح اليميني في نظام عبد الناصر، إلا أنه اكتسب تقدير السوفييت بإنجازه الكبير ومهنيته العالية في التعامل مع قضايا الصناعة.
وكان عزيز صدقي قد انحاز للسادات في أحداث مايو 1971 وتولى بعد ذلك رئاسة الوزراء، ثم اصطدم بعد ذلك مع السادات وانضم للمعارضة وكان عضواً في الائتلاف الوطني الذي شكلناه في الفترة الأخيرة من حكم السادات وضم كل التيارات السياسية.
كان عزيز صدقي في عام 72 قريباً من السادات، وكان من موقعه في قمة المسؤولية يعرف الآثار الخطيرة لقرار السادات بترحيل الخبراء السوفييت. وعندما سافر إلى موسكو على رأس وفد عالي المستوي كان يدرك صعوبة مهمته. وبالفعل كان الغضب في موسكو شديداً، وكانت القيادة السوفييتية تبحث في أبعاد خطوة السادات وما وراءها وكيفية الرد على الأسلوب الذي تمت به ومثّل في رأيها - إهانة لا يمكن السكوت عليها.
ورغم كل ذلك، ومع الجو المشحون بالغضب والاستياء، انتهت الزيارة بتأكيد القادة السوفييت على استمرار الوفاء بالتزاماتهم لمصر سواء في القطاع الصناعي أو العسكري، وتم الاتفاق على سرعة توريد صفقة أسلحة ضرورية لاستكمال استعدادات الجيش المصري للحرب. واستمر بالفعل تدفق السلاح السوفييتي ليكون هو سلاح العبور في 1973، بل استمرت الإمدادات أثناء الحرب لتعويض الخسائر ولمواجهة تدفق السلاح الأمريكي على إسرائيل.
تذكرت ذلك وأنا أتابع التطورات الأخيرة في علاقات القاهرة وموسكو، والزيارة الهامة لوزيري الخارجية والدفاع الروسيين للقاهرة، وربما تتبعها في وقت قريب زيارة الرئيس الروسي بوتين في تطور حاسم يتعدى العلاقات بين البلدين إلى الوضع في المنطقة كلها.
والمقارنة هنا بين موقف موسكو التي لم يمنعها تصرف السادات في 72 من مواصلة دعم مصر لتخوض الحرب وتنتصر بالسلاح السوفييتي. وبين الموقف الأمريكي الذي "يعاقب" شعب مصر على ثورته، وينتقم من انحياز جيش مصر لإرادة الشعب، فيوقف تصدير صفقات الأسلحة المتعاقد عليها، وهو يعلم مدى الحاجة لها في وقت تخوض مصر حرباً ضاربة ضد تحالف الإرهاب الذي اجتاح سيناء تحت حكم مرسي.
عقب حرب أكتوبر اتجه السادات إلى واشنطن، وأعلن أن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا. تغير تسليح الجيش المصري ليصبح معظمة أمريكياً مع تقارب سياسي ومعونة عسكرية استمرت منذ كامب ديفيد وفي نهاية السبعينات، وطوال هذه السنوات صمدت هذه العلاقة بين الجانبين للكثير من الظروف، الآن..
تمر العلاقات المصرية الأمريكية بأكبر أزماتها منذ عهد السادات. خلف الأزمة وقوف واشنطن وراء وصول الإخوان لحكم مصر، ثم الاستماتة لإنقاذهم من حكم الشعب بإسقاطهم، والموقف السلبي من تحرك الشعب في 30 يونيو وانحياز الجيش للإرادة الوطنية.
الأزمة كبيرة، ورغم الجهود التي تبذل لتطويقها فهي مرشحة للتصاعد، ولا ينبغي هنا أن نغفل التصريحين الهامين (وربما الحاكمين للموقف الآن) من الرئيس أوباما ومن الفريق السيسي. الأول قال إن العلاقات بين البلدين لن تعود كما كانت، والثاني قال إن مصر لن تنسى أبداً موقف الرئيس أوباما وإدارته ضد إرادة الشعب التي أسقطت حكم الاخوان في 30 يونيو.
ومع ذلك فلا ينبغي تصور أن ما نشاهده من تحرك واسع لتطوير العلاقات بين القاهرة وموسكو، هو مجرد رد فعل على الموقف الأمريكي من ثورة يونيو والنظام الجديد في مصر بعد أن خاب رهانها على "الإخوان".
تطوير العلاقات بين موسكو والقاهرة كان سيأتي حتماً حتى لو لم تمر العلاقات المصرية الأمريكية بهذه الأزمة العميقة. ما حدث في 30 يونيو كان استعادة للثورة المصرية في يناير 2011 بعد اختطافها.
في 30 يونيو، ومع سقوط الرهان الأمريكي على الإخوان، أدركت كل القوى الوطنية أن أول الطريق يبدأ بامتلاك القرار المستقل، والخروج من الدائرة الضيقة التي دخلت فيها مصر مع إقرار السادات بأن 99% من الأوراق في يد أمريكا. ومن هنا كان حتمياً أن مصر بعد 30 يونيو - لا بد أن تقيم علاقات متوازنة مع العالم كله، وان تكون المصلحة الوطنية والقومية فقط هي المؤشر للطريق الذي تسير فيه.
ربما أدى الموقف الأمريكي من ثورة 30 يونيو إلى إسراع القاهرة بحسم الموقف والبدء بفتح الطرق التي كانت مغلقة مع عواصم كثيرة ومنها موسكو. وربما أدى القرار الأمريكي الأخير بتجميد صفقات السلاح إلى التنبيه على مخاطر الاعتماد على مصدر واحد بصفة أساسية.
لكن القاهرة تسير في طريقها بحسابات دقيقة، وموسكو أيضاً تفعل نفس الشيء. والطرفان (المصري والروسي) يدركان جيداً أن الظروف تختلف عن الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ويريدان الاستفادة من ايجابيات وسلبيات التجربة الطويلة في التعاون المشترك. ولقاء الطرفين الآن يخلق أوضاعاً جديدة في المنطقة. فروسيا عائدة للتعامل كقوة كبرى بعد أن تخطت أزماتها، ومصر عائدة لتلعب دورها بعد ثورة أنهت سنوات طويلة من الغياب العربي والتدخل الأجنبي.
في المقابل تعرف أمريكا أنها تدفع ثمن أخطائها.. فهل تتمادى في الخطأ لتحوله إلى كارثة كما فعلت مع مصر والعرب من قبل أم تراجع سياساتها التي أفقدتها الكثير، وأدخلتها في مواجهة مع الشعوب، وجعلتها في النهاية حليفاً لعصابات إرهاب تدعي أنها تمثل الشرعية؟!